ثقافة

انتحار الأدباء بين a والتخمين.. هل تقتل الشخصيات كاتبها أم يقتلها؟

وهم البرج العاجي الذي يعيشه الكاتب ضاق عليه كقميص رثّ لم يعد يحتمل أوجاعه ولا جموح فكره، بل طالت الأفكار كشياطين بأذرع طويلة تخط حروف الانتحار!
لم تعد ظاهرة الانتحار -خاصة- الأكثر ذعراً في الوطن العربي، ففي القرن العشرين هناك 15 شاعراً وروائياً أقدموا على الانتحار من أصل 150 أديباً قرروا التخلي عن حياتهم بطريقة ما، فهل يعدّ الموت حلاً يلجأ إليه الأدباء والروائيون؟ أم إن الانتحار هو التحدي الأخير الذي يلزم الأديب به نفسه؟ في حين أن ضغوطات الحياة التي يمر بها الكتّاب تفرض قيودها عليهم وتثقلهم بالأوجاع والانكسارات؟ هل الخيبات وحدها كفيلة بقهر الحياة وجعلها تتسرب من الأصابع لتكون البصمة الأخيرة كلمة انتحار؟!.. فالأدباء والمفكرون هم الشريحة الثانية الأكثر انتحاراً بعد السياسيين، ونذكر منهم هتلر.. والملكةُ بوديسا ملكةُ انكلترا، وكذلك هانيبال الأسطورة القرطاجي/ الليبي أعظمُ القادةِ العسكريّينَ فقد كان بارعاً في التكتيك العسكري، ولكن حينَ أيقنَ بحتميّةِ وقوعه أسيراً، تعلّقَ بحرّيّتِهِ وآثرَ الانتحارَ رفضاً للإهانة.
هناك حروف تحمل لعنة الانتحار وتقود الكاتب نحوه بخطى سريعة، فيهرع إليه بعد أن يجربه على الشخصيات التي كتبها، وعاش حياتها وتفاصيل موتها، وغالباً ما يلجأ الأدباء للانتحار بذات الطريقة التي تكرر فيها موت أو انتحار إحدى شخصياتهم المقربة. ويقول المحللون النفسيون إن الانتحار يفرض ثقافته قبل مجيئه، ففكرة الموت لا تأتي مصادفة بل تعتاش على الوجع وتسيطر على التفاصيل إلى أن تفرض ذاتها..
في مجتمعاتنا العربية تعلو قصائد الخلاص وتمجيد الحياة وثوابتها، لكن الشخصيات المرهفة حين تصطدم بواقع حالك السواد من زاوية يجلس فيها الكاتب تجعله يقرر التخلي عن حياته عنوة، فهل المجتمع مسؤول عن فكرة الانتحار في ذهن البشر أم أننا المسؤولون عن انتحار الفكر وانحداره مع اصطدامه  بالواقع المعاش.
تقول الدراسات إن المتنبي هو الشاعر العربي المنتحر الأول، فقد قرر تغيير مجرى حياته مجابهاً رفض الخليفة العباسي سيف الدولة له بالانتحار على طريقته الخاصة، أو ما سمي بشبه الانتحار، وفقاً لقصته المعروفة عندما نازل شخصاً جاهلاً بعد استفزاز خادمه الذي رد عليه بأقبح الكلام مقرراً الانتحار واقفاً على قدميه مجرداً من شعره منازلاً الشخص الغريب.. كذلك هو أبو القاسم الشابي أبرز شعراء الاكتئاب والتشاؤم في العصر الحديث، فهو الشاعر الرافض للحياة والكثير من شعره مملوء بالتشاؤم، وطعوم الوجع، يقول الشابي عن نفسه: «إنني في كثير من الأحيان.. تطغى على نفسي كآبة الملل المبهم، فأنصرف عن الكتب والناس، ويوصد قلبي عن جمال الوجود».
كما يذكر التاريخ أن كلاً من عمرو بن كلثوم وأبو حيان التوحيدي ماتا  منتحرين.         أما الأديبة اللبنانية جمانة حداد في كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك» فقد أحصت 150 شاعراً انتحروا في القرن العشرين، بينهم 15 شاعراً عربياً، هم: خليل حاوي (لبنان)، منير رمزي (مصر)، عبد الباسط الصوفي (سورية)، أنطوان مشحور (لبنان)، تيسير سبول (الأردن)، عبد الرحيم أبو ذكري (السودان)، إبراهيم زاير (العراق)، قاسم جبارة (العراق)، عبد الله بوخالفة (الجزائر)، كريم حوماري (المغرب)، صفية كتّو (الجزائر)، أحمد العاصي (مصر)، فخري أبو السعود (مصر)، فاروق أسميرة (الجزائر) مصطفى محمد (سورية).
غالباً ما يختار الأدباء المنتحرون طريقة خاصة لميتتهم، طريقة حاسمة وقوية وفيها قدر كبير من التجبر كإغراق الذات، أو استعمال البندقية والمسدس، أو الشنق وتقطيع الشرايين..
يذكر أن الشاعر اللبناني الدكتور خليل حاوي انتحر في بيته ببيروت تأثراً باجتياح إسرائيل للبنان عام 1982م وكان انتحاره في ثاني يوم من انفجار الأحداث مستعملا بندقية الصيد.
أما في سورية فقد برز انتحار الشاعر عبد الباسط الصوفي في الستينيات بعيداً عن وطنه وكان انتحاره في أفريقيا.
للكاتب دوماً رؤيته الخاصة في الحياة، فأي فشل كفيل بالضغط عليه وجعله يتطرق لمكافحته أو الانسياق خلفه والركود في مكانه، فالفشل العاطفي ليس وحده سبباً لانتحار الأدباء بل الانكسار في المجتمع وتكرار الخيبات، وتدهور الثقة في الذات، كذلك أيضاً يمكن العكس في ثقافة الانتحار، فالغالب في المجتمعات الأوربية حالات الانتحار بعد حدّ الإشباع والترف ليس المادي وإنما المعنوي، فما إن يصاب الأديب أو الشخص بالملل، حتى يجد أنه ليس هناك ما يستحق الحياة فيقرّر إنهاءها، ومن المعروف في غالب حالات الانتحار العامة للمشاهير والأدباء هو ترك البصمة الملفتة للمنتحر سواء قصيدة أو قصة أو شخصية كتبها ومازالت تعتاش عليه، فتغير حياته وتحد منها، ذلك ما يصل إليه الباحث الفرنسي “جان كفودشيني” في كتابه “الميتات العنيفة في فرنسا منذ 1826م” ويؤكد أيضاً أن حب الذات وخاصة عند المثقفين هو أحد أسباب الانتحار. ومع ذلك لا نجد منتحرين بتلك الكثرة منذ أبي العلاء المعري رهين المحبسين صاحب أشهر نظرة تشاؤمية في تاريخ الأدب العربي وحتى الجواهري المنفي ومحمود درويش مجنون التراب الثائر وهو أكثر من كتب عن الوجع والحياة والحب ومن سجل على قبره أيضاً بيت شعره الشهير (على هذه الأرض ما يستحق الحياة)، وكأنها رسالة  يطلب فيها من الكتّاب والأدباء الاستمتاع بالحياة قبل فوات الأوان كدليل على أنه عاش حياته بما فيها من وجع وحب وحياة لا تخلو من تفاصيل الحياة.
يعاني الكاتب من ضغوطات خاصة يفرضها على نفسه في برجه العاجي، فيعيش وجع الشخصيات ويرفع من قدرها ويميتها وينتقم منها مستأنساً مع كل مافيها من حالات حب ووجع وانتقام ومكر وخديعة، بالتالي تنعكس الشخصيات على روحه وترافقه انعكاساتها لفترة تؤثر في راحته العصبية والنفسية، بالرغم من أننا لا نجد كل كتاب الكوميديا مرحين متفائلين في حياتهم، كما لا نجد كل كتاب الوجع منغمسين فيه، لكن لابد أن يتأثر الكاتب ولو لفترات محددة فيعيش حداده الخاص على شخصيات خلقها وعاش معها ثم ماتت أمامه وبرضاه بعد أن خرجت عن سوية فكرته الأولى لبنائها.
الاختصاصي النفسي د. حسان المالح يجد أن الكتّاب والمبدعين يتعرضون لحالات الاكتئاب أكثر من الناس العاديين مما يجعلهم عرضة للانتحار في بعض الأحيان، حيث تضيق الرؤيا أثناء الاكتئاب ويصبح الألم النفسي والمعاناة مسيطراً على الفكر، كذلك التماهي مع الشخصيات، يجعل الكاتب يوظف ذاته وفكره وأحاسيسه في شخصياته، هناك كثير من الكتّاب يسقط ما بداخله على شخصياته، وبذلك يتحرر من حالات سلبية أو مؤلمة وهذا يساعده على التماسك ثانية وهنا وظيفة مفيدة للأدب والفن أي أنها تساهم في صحة الكاتب النفسية إلى درجة معينة ولكن في حالات أخرى يتماهى الكاتب مع شخصية معينة سلبية تساهم في سوء حالاته النفسية أو الانتحار، الكتابة دائماً مفيدة للصحة النفسية وهي أسلوب علاجي ذاتي في كثير من الأحيان ولكنه ربما لا يكون كافياً وفي الحالات المرضية لا بد من العلاج النفسي والطبي المناسب.
وأخيراً.. إن انتحار الأدباء، ظاهرة تزداد انتشاراً في مجتمعاتنا العربية مع ازدياد وجعهم ومع جموح فكر الكاتب إن خرجت الأفكار لتعبث به بعد أن عبثت بأوراقه وانطلقت للحياة لتقتات عليه!.
ديمه داوودي