ثقافة

“القربان”.. من تحت مقص الرقيب إلى كلاسيكية شيخ المخرجين السوريين

“الحل انو اشتريلك جزيرة تعيشي انت وياه فيها، شو ما نكن عايشين بالبلد”، بهذه الجملة يختم الفنان سامر إسماعيل، الذي يؤدي دور “رشيد” في مسلسل “القربان” سيناريو وحوار رامي كوسا– إخراج علاء الدين كوكش، وإنتاج المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني، حواره مع  أخته “أمل”، وأدت دورها الفنانة “علا باشا” بعد أن أخبرته أنها معجبة بـ”ناصر”  الذي أدى دوره كرم شعراني.
أما ما دفع “رشيد” لقول هذه العبارة لأخته، فهو أنه وأخته ينتميان إلى أقلية دينية في سورية، أما ناصر فهو “شامي”، كما أجابت “أمل أخيها” عندما سألها من أي محافظة يكون من تحب ـ لتدل قسمات وجهه التي تغيّرت على المزاج الحقيقي الذي يتحكم بالحساسية الدينية في بلد، كان التطرف الديني والتشدد الإسلاموي وما زالا أحد أشرس وأخطر محاربيه.
لم تنقص الجرأة والموضوعية الطروحات الدرامية التي كتبها “كوسا”، لتعبّر عن حال البلد قبل مدة زمنية قصيرة من اندلاع الأحداث فيها، ولاسيما أن العمل، كما أخبر كل من مؤلفه ومخرجه، سينتهي بما وقع في آذار 2011، فالقربان إذاً يطل على التداعيات والسلبيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي شكلت برأي مؤلف العمل، الأسباب الفعلية لما يحدث في بلاده، فالفساد والرشوة والروتين والبيروقراطية والإهمال المؤسساتي والإداري المستشري في البلاد، هي الأسباب التي أوصلت سورية إلى ما هي عليه، ليستبعد “رامي كوسا” بذلك أي ترجيح لاحتمال أن ثمة ما يُحاك لهذه البلد بتواطؤ العديد من الدول الغربية والعديد من الدول العربية الإقليمية منذ احتلال العراق، بشكل علني وواضح ومفضوح.
العمل الذي شارك فيه نخبة من النجوم السوريين كالفنانة أمل عرفة والمخضرم فايز قزق والقديرة وفاء موصللي، بالإضافة إلى العديد من الوجوه الفنية الشابة، لم يجلب نسبة المشاهدة التي توقعها له مخرجه، شيخ الدراما التلفزيونية، “كوكش”، فبعد أكثر من عشرين حلقة منه، لم يتمكن من منافسة الأعمال الدرامية المختلفة المحلية منها والعربية، الواقع الذي عبّر عنه وبرره كاتب العمل، على صفحته في الفيس بوك، بعد أن كتب مجموعة من الملاحظات على العمل، والتي لم يدر بها إلّا عند رؤيته العرض الأول للعمل، مستغرباً من العدد الكبير للمشاهد المحذوفة رقابياً، ما جعل المَشَاهد الباقية تبدو بطيئة وممطوطة، لم تستسغها ذائقة المشاهد خصوصاً وأن لديه بدائل أخرى من الأعمال الدرامية العربية والمحلية، تجذبه إليها في كثير مما يفتقده “القربان” من التقنيات الفنية الحديثة والحبكة الدرامية المشوقة، والقصص التي باتت تشد المتفرج العربي عموماً برتمها السريع وإيقاعها المتواصل مع المؤثرات البصرية والموسيقية الأكثر جذباً للعين، الذي تتسم به أعمال قصص الحب والخيانة الدارجة هذه الفترة.
الرؤية الإخراجية الكلاسيكية لـ “شيخ الدراما التلفزيونية السورية”، كما ترجم النص المكتوب إلى أحداث تدور أمام كاميراه، تعمّدت أن تنقل الصورة بأجواء تعيد المشاهد السوري إلى بداية النهضة الدرامية السورية، إن كان بالألوان وتدرجاتها وبالزمن البطيء نسبياً للمشهد الواحد، أو زمن المَشَاهد التي جاءت طويلة نسبياً، وربما هذا خيار وجداني من كوكش، تقصّد فيه التذكير بواقع كان موجوداً واختفى، أقول ربما.
طبعاً عدا عن الأداء المميّز لكل من الفنان القدير رشيد عساف “سالم”، عرفة وقزق ورشيد وإسماعيل وشعراني وغيرهم، ما أثار انتباهي هو الجرأة العالية التي يفصح عنها “القربان” على شاشة التلفزيون السوري الرسمي، وهو أيضاً من إنتاج مؤسسة حكومية رسمية، وبإشراف الصحفية والناقدة المخضرمة “ديانا جبور” ولا أدري هنا ماذا سيكون هناك ما تحذفه الرقابة من نص القربان، كما سبق وأخبر “كوسا” عن مشاهد كثيرة محذوفة رقابياً كما أسلفت، بما أنها أبقت على الكثير من المشاهد والحوارات التي تشير وبالتصريح ولا تلوح إلى العلاقات المشبوهة التي ربطت بعض رجال الأعمال السوريين، بشخصيات سياسية وعسكرية قيادية في الدولة، وما نتج عن هذا التحالف من صفقات باعت الوطن بالتقسيط بداية، التصريح وليس التلويح أيضاً بمشكلة الطائفية والتي تكشّف أن عورتها المقيتة كانت تستتر بورقة توت لا غير.
الجرأة العالية في تسمية الأمور بمسمياتها والدلالة عليها مباشرة، لم تنقص القربان كما لم تنقص غيره من الأعمال الدرامية التي مررها الرقيب الرسمي لتكون على شاشته أيضاً، مثل بقعة ضوء وضبوا الشناتي وغيرها من الأعمال السورية لهذا الموسم، ومنها ما جاء بجرعة عالية الجرأة في التوصيف والإسقاط.
القاعدة الذهبية في أي فن قيم كالدراما بأنواعها، محكومة بالقاعدة الذهبية التي تقول: النص هو المفتاح الحقيقي لأي عمل درامي ناجح، فيلماً سينمائياً كان أو مسلسلاً تلفزيونياً، أو عرضاً مسرحياً، لا أدري ما صحة ما جاء عن حذف مشاهد كثيرة أدت لإرباك بنية العمل وسياق أحداثه؟ ننتظر من الجهة المنتجة التعليق على هذا، لكن هذا لا يلغي أن القربان من الأعمال التي قاربت الواقع السوري بجرأة وموضوعية ومصداقية حقيقية، وضعته على الخارطة الدرامية المتابعة بنسبة لا بأس بها وسط هذا الازدحام الدرامي الخانق كحر تموز هذا العام.
تمام علي بركات