اقتصاد

نقطة ساخنة

لحن الحياة المفقود..!
تتوق أذان السوريين هذه الأيام إلى لحنٍ طالما كان يزعجهم في أيام خلت.. هو لحنُ باعة المازوت المترافق مع موشحٍ غير مستساغ ينفّر سامعه ويدفعه لتقديم سيل من الشكاوى إلى الأجهزة المختصة للتخلّص منه بغية الحصول على قسط من الراحة بعد تعب يوم طويل.
لحنٌ أضحى اليوم مفقوداً بعد أن كان أحد مكوّنات موسم الشتاء.. فغيابه شكّل نشازاً في تراتبية وتناغم سيمفونية حياتنا اليومية.. فلم نعد نطرب لفيروز ووديع وغيرهم من قامات الفنّ المعروفة، وأجسادنا تقشعر برداً وأذهاننا تعتصر أفكاراً، عسى أن تُسعفها بطرائق وأساليب شرعية كانت أم غير شرعية لتأمين هذه المادة وبأي ثمن كان!!.
السوريون ومنذ أربع سنوات لا يفتقدون ذلك اللحن فحسب، بل ويحنّون إليه، نادمين على التذمّر الذي كانوا يبدونه بحق أصحابه.
الآن كما يبدو أن هذا الزمان هو “زمان باعة المازوت” الذين لم نكن نقدّر قيمة وجودهم بيننا قبل عدة سنوات.. وقد باتوا الآن بمثابة المخلّص من البرد القارس، وكل من يتحدث معهم لابد له أن يتقن سياسة الكلام “الأخذ والعطا” حتى يحصل على بضعة ليترات تدفئه وأولاده أياماً معدودات، ومع ذلك غالباً ما يفشل حتى ولو كان من دهاة المحدثين، ولمَ لا فبضاعتهم تتصدّر أولوية حاجاتنا في ظل تراخٍ حكومي واضح للعيان رغم زعم الجهات المسؤولة بتأكيدات توفر المادة!.
يبدو أن المواطن السوري بات محطّاً لاختبار مدى تحمّله للأزمات المفتعلة، فما إن تنتهي أزمة –هذا إن انتهت– حتى تتولّد أخرى، والأمثلة على ذلك أكثر مما تُحصى، فمن أزمة النقل الداخلي التي لم تنتهِ بعد -وربما لن تنتهي- إلى أزمة ارتفاع أسعار جميع السلع بشكل غير مسبوق، وأزمتي المازوت والغاز اللتين تأتيان معظم الأحيان دفعة واحدة “دبل كِيكْ” لتصرعا المواطن، ولا ندري إن كان للخبز أو للباس أو حتى للماء نصيب من أزمات قادمة!.
سؤال نضعه برسم إجابة حكومتنا حتى يعرف المواطن ما تخبئه له قادمات الأيام، كي يشدّ أزره ويستعدّ لأي زلزال محتمل!. مع الإشارة إلى عدم إنكارنا أن مردّ هذه الأزمات بالأساس هو ما تشهده سوريتنا من أحداث مؤسفة، إلا أن ما يؤجج نيرانها ويزيد من حدّتها هو المتاجرة بها من قبل المتنفذين، فهذه المواد غير مفقودة، وإنما محتكرة بطريقة تعطي انطباعاً شعبياً بأنها مفقودة!!.
حسن النابلسي
hasanla@yahoo.com