ثقافة

عيدُكم اليوم ليس عيدي

أوس أحمد أسعد
جدلُ السّياسي والثّقافي عتيق وملتبس، يتجلببْ كلّ منهما بالآخر،ويتقنّع،يتعانقان حدّ الأخوة ويتباغضان حدّ العداوة،السّياسيّ يناور محاولاً إخفاء وطمس الثّقافي أو تهجينه بكلّ الوسائل، والثّقافي،يحاول فضح السّياسي ووسائله الترهيبيّة والتّرغيبيّة بما يتوفّر له من أدوات الظلّ. ويبقى التّاريخ هو الحكم. ثمّة رواةٌ قابعون في العتمة دوماً ،يسكنون شقوقَ الصّخور كالعشب ،ينبتون كالفطر على غفلةٍ من الماء، ليعيدوا تصويب الدّفّة. صحيح أنّ صوت المهمّش ضعيفٌ أثناء هيمنة السياسيّ ،لكنّه يمتلك موهبة الجدول بحفريّاته الهادئةِ في الذّاكرة والتاريخ بغيةَ تعميقَ مجراه ،ومن هنا نستطيع فهم المفارقة التّالية،لماذا يُظهِر وجه “الفاتح” مبتسماً، كإيحاء خادعٍ بأنّه منذورٌ لأداء رسالةٍ جليلة ،يسعى من خلالها لتطوير البلدان المستضعفة ،بينما وجهه القبيح،هو وجه “المحتل” المكشّر عن أنيابه الدمويّة،السّاعي لطمس ثقافة الشعوب وتذويبها في ثقافته .فالمحتلّ لا يحترم ثقافة المغلوب حتى لو كان ذاك “الفاتح/ المحتلّ” الإسكندر المقدوني ،ذاته ،تلميذ الفلاسفة النّجيب.من لم ينفع معه التّرغيب فالتّرهيب قد يجدي.سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو الشّعوب.وللتّذكير فقط، نضع مثاليّ “الحلّاج،وابن المقفّع” كشاهدين على دمويّة السياسي تجاه الثقافيّ غير المهجّن، فالأوّل قُطّعتْ أطرافه،والثّاني شويَ لحمه وأُطعِمَ له،وهذا ما فعله المحتلّ البريطاني تجاه السكان الأصلييّن للقارّة المكتشفة حديثاً”أمريكا” بشكلٍ موسّع،والخطاب الذي كان سيتلوه، الهندي الأحمر/ فرانك جيمس/ 1970م أمام الحشد الكبير بمناسبة “عيد الشكر” ثمّ مُنع من تلاوته. يعكس هويّة المحتلّ الحقيقيّة،حيث كانت تتطلّب المناسبة تلاوة أحد ممثّلي السكان الأصليين خطاباً يمجّد به الغازي “السوبرمان” الذي أتى من جهات الأرض الأربع ليستوطن بلده. ولكن خطاب الشاب الأمريكيّ الهندي كان ينحو باتجاهٍ آخر، قائلاً بلسان المهمّشين: (أقفُ أمامكم اليوم وقلبي يطفرُ بالحزن،إنّه يوم بهجةٍ وعيد سعيد بالنسبة لكم،لكنّه يوم أتذكّر فيه الكثير من المآسي التي حلّتْ بشعبي،أذكر فيه ما فعلتموه منذ /350/ سنة يوم نهبتم قبور أجدادي وسرقتم ثمار أرضنا وقوتَ يومنا،يوم تحوّل فيه شعبي إلى عبيد يشنقون في السّاحات،يوم فتحنا لكم منازلنا الدّافئة في عزّ الصّقيع،فشكرتمونا بالبنادقِ والقيود..عيدُكم اليوم ليس عيدي..) فهؤلاء “الحجّاج” كما أُطلِقَ عليهم، مستوطنو القارة الأمريكيّة،الجدد، اعتبروا الأرض الأمريكيّة أرضاً مقدّسة،ومن هنا جاء الجانب الدّيني لهذه المناسبة “عيد الشكر” وهو شكرهم لله على نجاتهم من ظلم القادة البريطانيين، لكنّ العيد كان عيداً تاريخيّاً لدى السكان المحليّين،حيث كانوا يرقصون ويغنّون شاكرين الآلهة على نعمها من مأكلٍ ومشربٍ،وقدّموا للوافدين كلّ ما يعرفونه عن/ صيد السمك والزّراعة وتسميد الأرض/ لكنّ مكافأة المحتلّين، كانت بأنْ نسبوا العيد لهم،وحاولوا تصويره كحالة ترحيبٍ من قبل السكان الأصليّين بهم،ليغدو عيداً وطنيّاً أمريكيّاً بعد انتهاء الحرب الأهليّة بين الولايات، وبدأ “الحجّاج” بالتّكشير عن أنيابهم، تصفياتٍ واستعباداً وتهجيراً للسكان الحقيقيّين. ولو كانت الأخلاق والعدالة هي من تحكم العالم، لكان مصير الكثير من رموز السّيادة الأمريكيّة ،التّاريخيين،التّحويل إلى المحاكم الدوليّة كمجرمي حروب/ من أمثال / لنكولن،جرانت، شيرمان، شيريدن..وغيرهم من قادة الحروب وسفك الدماء.ولكنّ التاريخ الرسمي يكتبه المنتصرون دوماً للأسف. يا لمفارقات التاريخ المخجلة..!!.
وعلى مستوى الأفراد بعد أن يتحوّلوا إلى رموز ثقافيّة عامّة، يطلّ السّياسي متلبّساً بالثّقافيّ،حتّى تكاد الحيرة تصيبك وأنت تقلّب وجهيّ بعض هذه الرّموز التي كان لها باعٌ طويلٌ في مجال الإبداع، فـ “سعيد عقل” الذي كتب/ لا أنت حبيبي، وبحبّك ما بعرف كيف،وشال رندلى، وسائليني ياشآم،وتغنّى ببردى وقاسيون والقدس..الخ..هو نفسه من دعا لمباركة القتلة في مجزرتي “صبرا وشاتيلا” في 17/ كانون الأول 1982م ،على صفحات جريدته “لبنان” وهناك من عرض صورته وهو يتكلّم عبر شريط فيديو حول موقفه من الجيش الإسرائيلي مطالباً إياه بـ “تنظيف لبنان من آخر فلسطيني” داعياً جميع اللبنانيين كي “يهبّوا للقتال في صفّه” لأنّه هو “الذي سيسحق رأس الأفعى المتمثّل بالإرهاب” وأنّ من يقول “الجيش الإسرائيلي جيش غزو،يستحقّ أن يقطع رأسه” هذا ناهيكَ عن دعوته لقوميّة لبنانية خاصّة وفينيقيّة،وأن يصبح الحرف العربي حرفاً لاتينيّاً..بل وظلّ يتفاخر بمواقفه وتصريحاته ولكن هناك من قال بأنه تراجع عن موقفه من الإسرائيلي،وفسّرها على خلفيّة دينيّة لا أكثر..!!والسؤال الآن هو ماالذي سيبقى في الذاكرة ،الجماليّ الذي أبدعه “عقل” أم السياسيّ الذي يشبه لطخة العار..؟!!ولو أسقطنا الأمر على بعض رموز التاريخ الثقافي للشّعوب لوجدنا أنّ هناك من  قد يفقد احترامه لـ”المتنبّي” بدعوته العنصريّة/ لاتشترِ العبد إلا والعصا معه../ وكذلك موقف “سارتر” الفيلسوف الوجودي الماركسي من قضايا العرب، ورجعيّة “دوستويفسكي” وإذا مااقتربنا قليلاً من موقف الشاعر الفلسطيني “محمود درويش” سنجد موقفاً ملتبساً آخر،سواء في مواقفه السياسية المؤيّدة لعرفات بتنازلاته المستمرّة،أو بما يخصّ علاقته بـ”ريتا” اليهوديّة،التي لم تعرف إلّا بعد وفاته، فما الذي كان يخشاه  الشاعر الكبير ليوصي بألاّ تفتح وصيّته إلا بعد وفاته بخمس سنوات.؟!!.”ريتّا” التي حفر اسمها عميقاً في ذاكرة الأجيال بكلماته وغناء “مارسيل خليفة” / بين ريتّا وعيوني بندقيّة..والذي يعرف ريتّا ينحني ويغنّي لإله في العيون العسليّة/ فمن هي البندقيّة التي  كانت تقف حائلاً بينهما أهي البندقيّة الفدائيّة أم الصهيونيّة؟!.