ثقافة

بلقيس.. وردة بابلية قطفها شاعر التابو من حديقة بغداد

بلقيس جميل الراوي ولدت في بغداد الأعظمية، محلة السفينة عام 1939، وهي البكر لأبيها، أكملت المرحلة الابتدائية في مدرسة نجيب باشا النموذجية في الأعظمية، وانتقلت عام 1951 إلى ثانوية الحريري للبنات قرب ساحة عنتر وتخرجت فيها، عينت موظفة (كاتبة) في 29/1/1961 على ملاك التعليم الثانوي استناداً لأمر وزارة المعارف آنذاك براتب شهري قدره 15 ديناراً عراقياً في متوسطة الجمهورية للبنات في بغداد.

العلاقة مع الشاعر نزار قباني
يذكر أبو نادية، وهو جار لبيت بلقيس، أن نزار قباني في إحدى زياراته لبغداد عام 1962 بحضور فعاليات طلابية شعرية في المدرسة التي كانت تعمل بها بلقيس، وحينها تعرف عليها، وبالمناسبة فإن بيت ابنة عم نزار كان الجار الثاني لبيت بلقيس، ويقول السيد إبراهيم جميل شقيق بلقيس: كان نزار عند زياراته لبغداد يتردد على بيت ابنة عمه المتزوجة من عراقي، والمجاور لبيت عمها شقيق والدها، ومن لفت انتباهه لبلقيس ابنة عمه التي رشحت له أنها تتمنى أن يوافق أهل بلقيس، وتتمنى من نزار أن يتقدم لخطوبتها، وأنها ترى أن ما في نزار من وصف وطباع، موجودة في بلقيس، ويستمر السيد إبراهيم شقيق بلقيس في القول إن بلقيس كانت ذات أخلاق عالية، وتحظى باحترام عال من أهل الديرة، وكانت ذات شخصية قوية جداً ومتواضعة في الوقت نفسه ودودة لنساء الجيران أجمع.
مراحل خطوبة بلقيس
تقدم نزار قباني لخطبة بلقيس عام 1962 وهي بعمر 23 عاماً، لكن أهلها رفضوا هذه الخطوبة كما رفضت هي ذلك، لأسباب عشائرية وقيم مجتمعية.
وفي عام 1969 زار نزار قباني بغداد لحضور مهرجان المربد الشعري السنوي، واستطاع هذا الشاعر أن يقابل الرئيس العراقي السابق المرحوم أحمد حسن البكر الذي سهّل له موافقة عشيرة بلقيس على زواجه منها وكان عمرها 30 عاماً، أما عمر نزار فكان 46 عاماً، ولم يكن اعتراض بلقيس على زواجها من نزار سوى أنه شاعر مشهور وله مغامرات في أشعاره مع النساء.
تمت الخطوبة والزواج في بغداد عام 1969 بحضور الأشقاء والأقارب والجيران، وقضيا أسبوعين من شهر العسل في بغداد ثم انطلقا إلى باريس والأندلس.
بطاقات حب من باريس
في 25 حزيران عام 1969 بعثا بطاقتي أشواق وحب إلى الأهل في بغداد، بدأت بلقيس البطاقة الأولى بالقول نصاً: (أشواق كثيرة وحب كبير، مكانكم خال، كيف الصغار والأحباء، قبلاتي وحبي إلى ابن أخي جمولي العزيز، غداً سنذهب إلى اسبانيا، قبلاتي للصغار، ولكم  أحبكم)، وكتب نزار قباني في الجزء الأسفل من البطاقة: (من باريس أبعث لكم أحلى مشاعر الشوق والمودة، وأرجو أن تكون الغالية نبال قد وضعت أثقالها، كل شيء زين وخوش بل أخوش، وبلقيس أخوش من كل الخوشات، إنها جوهرة العمر مشتاق لكم كثيراً)، وكتبت بلقيس في البطاقة الثانية تصف شوقها لأمها، وعلّق نزار في وسط البطاقة بالقول: (إن بلقيس لم تترك لي من البطاقة كي أكتب فيها ولكن شوقي أكبر).
جسدت بلقيس في حياتها الزوجية نموذجاً رائعاً من صور الزوجة الصالحة والأم والمودة لزوجها نزار وغيرتها عليه واعتنائها به وبأولادها، حتى إنها أهدت إلى نزار حجاباً عراقياً كتبت عليه آيات قرآنية وكان يأخذه معه عندما يخرج قاصداً دولاً في نشاطات مختلفة، كتب عنها نزار شعراً ووصفها بالبابلية والسومرية والآشورية ثم قال: بلقيس جبل ما هزته ريح، تغار في مواقف ولا تظهر غيرتها، فقط تغيب منها بعض التصرفات الجميلة والمجاملة في هذه المواقف، ولا تجرحني بكلام، وتفهمني بذلك كثيراً، إلا أنها لا تترك واجباً أو حقاً زوجياً أبداً مهما تكن متأثرة في داخلها وتبدو متماسكة لا تنهار أبداً، وتعكس لي بذلك صورة التربية الصالحة والشخص القوي الوفي.
أنجبت بلقيس زينب وعمر، وحصلت على وظيفة في السفارة العراقية في بيروت، وفي عام 1981 توفيت إثر حادث تفجير هذه السفارة، فكانت شهيدة العراق والأمة العربية، فنعاها نزار قباني وهو يقول:
كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل..
بلقيس
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي
ترافقها الطقوس
وتتبعها أيائل.
وفي قصيدة أخرى من رثاء نزار قباني لبلقيس:
سأقول في التحقيق..
إني أعرف الأسماء والأشياء والسجناء
والشهداء، والسفراء، والمستضعفين
وأقول إني أعرف السياف قاتل زوجتي ووجوه كل المخبرين
لم ينس نزار قباني تلك السنين الجميلة التي جمعته بزوجته بلقيس الراوي، وعتبه على أمته العربية فيقول:
قتلوك يا بلقيس
أية أمة عربية
تلك التي
تغتال أصوات البلابل.
د. رحيم هادي الشمخي