ثقافة

“قواعد العشق الأربعون” علاقات تتجاوز الزمن وحدود الأديان

كثيراً ما تساءلت ماذا لو لم تقدني الصدفة لأقرأ رواية”قواعد العشق الأربعون”، والتي كانت سبباً أساسياً في بداية معرفتي بالصوفية، التي لم أكن أعرف عنها سوى “مشاهد الدراويش في الأفلام والمسلسلات المصرية” والتي يكون الدرويش في معظمها يرتدي الملابس القديمة والمهترئة، زائغ النظر يمشي بين الناس ولا يقول سوى “الله..حــــي”.

إن هذه الرواية تصف الصوفية والصوفيين  بأسلوب روحاني في الحديث عن الأنبياء، وهو ما شدني لهؤلاء القوم ومنهجهم العظيم في الحب الإلهي، فرأيت أن الصوفيين يحبون الله لا خوفاً من عقابه ولا رغبة في ثوابه ومكافأته، بل يحبونه لمجرد محبته الخالصة، محبة نقية غير ملوثة وبدون مصلحة، وبذلك تتخطى  الرواية حدود الأديان، والاستقطاب الطائفي الديني العالمي السائد في يومنا هذا، فمولانا جلال الدين الرومي متزوج من “كيرا” المسيحية، وزوجته السابقة “جوهر” بهائية، وهو لا يهتم أن تختلف الأديان ما دام المعشوق واحد هو “الله”، وينطبق هذا إلى حد بعيد على شمس، فهو لا يهتم لحدود الإسلام، ويطلب من مولانا أن يشتري زجاجات الخمر، ويشربها في الحانة ليفقد احترام الناس له، فيكون حبه خالياً لله، وليس حبا للثواب المنتظر من الله!.
منذ فترة وأنا مهتمة بالتعرف على الصوفية والصوفيين، لكن كنت أجد صعوبة كبيرة في فهم رموزهم والطرق الصوفية التي يتبعونها وتجلياتهم بسبب صعوبة اللغة، وكثيرا ما قرأت كتبا تتحدث عنهم لكن كانت طريقة طرح موضوع الصوفية جامدة وبلغة صعبة الفهم وتحتاج لجهد عقلي لفك رموزها، أما “قواعد العشق الأربعون” فتعتبر بالنسبة لي من أروع ما قرأت ولن أشرح الأسباب، فهناك الكثير غيري قد فعلوا. يكفي أن أقول أن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب وهو ما ستفعله تلك الرواية بقارئها خاصة في زمن الزيف والمظاهر الكاذبة التي نعيشها حت شعار:
“ليس المهم أن تكون.. المهم أن تبدو” فقد أصبح من الضروري للإنسان أن يتوقف قليلاً ويحاول البحث مرة أخرى عن ذاته، وهذا ماتحدثت فيه الرواية، فالطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدراً كبيراً من الخوف والملامة يتدفق إلى نفوسنا، أما إذا رأينا الله مفعما بالمحبة والرحمة فإننا نكون كذلك، فالطريق إلى الحقيقة يمر من القلب لا من الرأس “فاجعل قلبك لا عقلك دليلك الرئيسي، واجه، تحدى، وتغلب على “النفس” بقلبك بمعرفتك بنفسك التي ستقودك إلى معرفة الله، ونرى في تلك الرواية أن الصبر لا يعني أن تتحمل المصاعب بل أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية، أي أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، وتنظر إلى الليل وترى الفجر، أما نفاذ الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة، فقد صورت لنا الكاتبة أن عشاق الله لا ينفد صبرهم مطلقا، لأنهم يعرفون أنه لكي يصبح الهلال بدراً يحتاج إلى وقت، فالصوفي الحق هو الذي يتحمل بصبر حتى لو أتاه باطلاً، ولا يجب أن يتلفظ بكلمات نابية، وإذا أردت أن تقوي إيمانك فيجب أن تكون مرناً في داخلك، لكي يقوى إيمانك ويصبح صلباً كالصخرة، لكن بالمقابل يجب أن يكون قلبك خفيفاً كالريشة، فإذا أُصبت بمرض أو وقعت لك حادثة أو أصابك خوف بطريقة ما فإنك تواجه جميع الحوادث التي تُعلمك كيف تصبح أقل أنانية وأكثر حكمة وعطفاً وكرما، بعض البشر يتعلم الدرس ويزداد رقة ولطفاً وطيبة، بينما يزداد آخرون قسوة فيجب أن يتسع قلبك لاستيعاب البشرية كلها، بالإضافة لذلك أن يبقى فيه متسع لمزيد من الحب، وكثيراً من الناس يعتقدون أن الاستسلام  يعني أن يكون المرء ضعيفا أو سلبيا، وإن هذا لا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر. على العكس فالذين يستسلمون للجوهر الإلهي في الحياة يعيشون بطمأنينة وسلام حتى عندما يتعرض العالم برمته إلى اضطراب، فالإسلام يعني السلام الداخلي وضمناً الاستسلام، والاستسلام لا يعني أن يكون المرء ضعيفا أو سلبيا، ولا يؤدي إلى الإيمان بالقضاء والقدر، بل على العكس تماما”. وهو بهذه الطريقة يختلف مع كل ما ذهب إليه فقهاء الإسلام من المذاهب كافة.
أخيرا لنعترف أن لا قيمة للحياة من دون عشق، ولا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى المزيد من الانقسامات، ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف إنه كما هو  نقي وبسيط، بنفس المقاربة، فالعشق ماء الحياة والعشيق هو روح من النار، أفلا يصبح الكون مختلفا عندما تعشق النار الماء
“هكذا أود أن أموت..في العشق الذي أكنه لك كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس….”.
دانيا عبّارة