ثقافة

على هامش ندوة “دور الترجمة في التنمية الوطنية” الأزمـة الراهنة تعطي لحركة الترجمة منحى تنويرياً

أجمع المشاركون في الندوة الوطنية التي عُقِدَت مؤخراً في مكتبة الأسد تحت عنوان “دور الترجمة في التنمية الوطنية” على أن الترجمة تؤدي دوراً كبيراً في تشكيل وتطوير العلاقات الثقافية بين الأمم، حيث تصبح موضوعات الأدب أكثر تنوعاً وثراءً، واللغة تصبح أغنى وأعمق، كما نتعرف إلى نمط حياة الشعوب الأخرى وعلومها وتتعرف شعوب العالم علينا من خلالها، كما تُعَد عاملاً أساسياً من عوامل النهضة، وهي إحدى الوسائل المهمة في تحقيق التنمية الشاملة، والجميع مقتنع بأنه لا يمكن تحقيق التنمية والمعرفة من دون عملية الترجمة والتواصل مع الآخر، فهي تلبي حاجاتنا في التطور وتحقيق تغيير في حياتنا، لذلك ارتبط دور الترجمة بالتنمية، وهذا يؤكد على ضرورة إيجاد ستراتيجيات واضحة في حقل الترجمة.

معرض للكتب المترجمة
ناقشت الندوة وعلى مدار يومين مجموعة من العناوين الهامة في مجال الترجمة، نذكر منها: “دور الترجمة في النهوض الحضاري والتنمية د.ثائر زين الدين-الترجمة في وزارة الثقافة د.حسام الدين خضور-مساهمة كبار الكتّاب في الترجمة د.جمال شحيد-الترجمة الفورية ووظيفتها التنموية د.نورا أريسيان-دور الترجمة في تطوير اللغة الأم د.لبانة مشوح” كما شارك فيها أيضاً : د.منتجب صقر-د.فؤاد خوري-د.ورد حسن-أ.هيثم الحافظ، وتم تكريم المترجمين : موريس جلال-عدنان جاموس-عبد الكريم ناصيف-جمال شحيد-علي أشقر-فاضل جتكر-لطيفة ديب-نزار عيون السود-بدر الدين عمود-زياد عودة، كما رافق الندوة افتتاح المعرض التخصصي الأول للكتب المترجمة الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب.

الأزمة والترجمة
وحول تأثير الأزمة على حركة الترجمة التقت “البعث” مجموعة من المشاركين الذين تحدثوا عن واقع الترجمة في ظل الأزمة الحالية التي تعيشها سورية، وكان لـ د.نورا أريسيان رأي خاص حول هذا التأثير من خلال تلمسها بداية لعودة الناس للقراءة في ظل هذه الأزمة، حيث استفاد القراء من وقتهم وتواجدهم في البيت لفترة طويلة في عملية القراءة، أما من ناحية الترجمة خلال الأزمة فقد اختلف مسارها على صعيد الموضوعات، فبات التوجه العام للمترجمين نحو انتقاء كتب تخص سورية تحديداً وكيف هي في عيون الكتاب والمؤرخين، بالإضافة إلى تأثير الإعلام الغربي على الأزمة، فهذه المواضيع وغيرها من المواضيع الأخرى أصبحت تغري المترجمين بعد أن كانت الروايات والشعر والقصة العاطفية هي التي تغريهم، مبينة أريسيان أن عدداً لا بأس به من المترجمين قد غادروا الوطن، والقسم الآخر جذبته دور النشر الخاصة للأجور العالية التي تُقدَّم لهم، وأوضحت أن مستوى الترجمات لم يتغير، ومن الخطأ أن نقول أن الأزمة ساهمت بشكل أو بآخر في خفض مستوى الترجمة لأن المترجم الجيد سيبقى جيداً، وما تغير فقط فيهم هو ميولهم لترجمة الموضوعات التي تم ذكرها سابقاً. وتمنت أريسيان استمرار هذه الندوات وهذا التقليد بالاحتفال بيوم الترجمة، منوِّهة إلى ضرورة استقطاب جمهور أكبر العام القادم ودعوة الطلبة وعدد أكبر من المترجمين.

تأثر إيجابي
أما د.لبانة مشوح فترى أن الترجمة تدخل في عصب الحضارة، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في العصر الأموي والعباسي عندما كانت الحضارة العربية في أوجها، حيث كانت حركة النقل من العلوم والحضارات واللغات الأخرى إلى العربية بالشكل الأمثل. من هنا رأت مشوح أننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة إطلاق حركة إبداعية ثقافية نستند فيها بشكل أساسي على الفكر الآخر ولا نتمثله تماماً، بل نأخذ منه ما يفيدنا في حياتنا ومستقبلنا. وأشارت إلى أن حركة الترجمة في ظل الأزمة تأثرت، ولكنه تأثر إيجابي برأيها، فبعد أن كانت الترجمات شعرية وفكرية اتجهت حركة الترجمة في ظل الأزمة باتجاه فكري تنويري لإضاءة ما يحدث في العالم ويؤثر فينا بشكل مباشر على كل المستويات. ونوهت د.مشوح إلى أن الترجمة هي مفتاحنا للعالم، متمنية أن تكون حركة الترجمة مدروسة ومنسقة أكثر، وعلينا اليوم في سورية ونحن الرواد في التعريب والترجمة أن نعيد هذه التجربة، مذكِّرة بأنها عندما كانت وزيرة للثقافة أطلقت الوزارة مشروع الخطة الوطنية للترجمة، وقد شُكِّلت لجان من المختصين، وكل ما تتمناه على الإدارات الجديدة أن تعيد إطلاق هذا المشروع بعلمية وفق أسس مدروسة.

أزمات الشعوب
وتكمن أهمية الندوة بالنسبة لعدنان جاموس بانعقادها في هذا الوقت بالذات لأن الترجمة أداة تساعدنا على الإحاطة بثقافة الشعوب والأمم في جميع العصور، وهي تختصر الوقت الطويل الذي يمكن أن نستهلكه بحثاً عن الحقائق العلمية والمكتشفات، من هنا تأتي أهميتها باللحاق بركب الحضارة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أهمية انعقاد مثل هذه الندوات في ظل الأزمة الحالية، لأن مثل هذه الندوات تساعد المترجم وتحفزه على أن يقوم بعمله على أكمل وجه، حيث يثق المترجم تماماً عبرها أن المجتمع والدولة يهتمان بنشاطه الذي يهدف إلى تطوير وتنمية البلد الذي يعيش فيه وعلى جميع الصعد، بالإضافة إلى أن انعقاد مثل هذه الندوات يعني أننا نناضل على مختلف الجبهات العسكرية والثقافية، كما أنها تحفيز لجميع فئات الشعب على القيام كلٌّ بواجبه لمساندة الجيش العربي السوري في المعركة، ويعترف جاموس أنه شخصياً يبحث عن النصوص التي عبّرت بها الشعوب الأخرى عن أزماتها، والتعرف من خلالها على الجهود التي بُذِلت من أجل الخلاص من أزماتها، وجاموس يبحث الآن عن نصوص مشابهة لترجمتها لحثِّ الشعب والعامة على مقاومة العدو والعصابات التكفيرية والإرهابيين، وبث شعور مفاده أن النصر قادم لا محالة، وبالتالي لا يجد جاموس صعوبة في الوصول إلى هذه الترجمات رغم الأزمة بسبب توفر وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة التي اختصرت الكثير من الزمن.

دمار البنية التحتية
وعن تأثير الأزمة والحرب على دور النشر السورية بيّن هيثم الحافظ رئيس اتحاد الناشرين السوريين أن دور النشر السورية إلى ما قبل الأزمة كانت تسير بخط صاعد، إلا أن البنية التحتية للكثير من دور النشر دمرت بسبب الأعمال الإرهابية، ودور النشر التي نجت أو تعافت مما أصابها من أذىً قليلة، فحلب وهي ثاني أكبر مركز صناعي واستهلاكي للكتاب خرجت من العمل كليةً، ونتيجة لظروف الحرب خسرت دور النشر معظم السوق المحلية وأصبحت تعتمد على السوق العربية، ولكن مع هذا لا تزال دور النشر السورية التي كافحت من أجل البقاء تحتفظ بحصتها في السوق العربية، وقد ساعدتها على ذلك خبرتها وعلاقاتها وتوفر بعض العوامل في صناعة الكتاب التي تساعد الكتاب السوري على المنافسة.

أمينة عباس