ثقافة

فنان الشعب وداعاً رفيق سبيعي.. الحكاية بحلوها ومرّها

حين سمعتُ خبر وفاة الفنان رفيق سبيعي مساء أمس سارعتُ إلى مكتبتي لألتقط منها كتاب مذكراته “رفيق سبيعي.. ثمن الحب” تحرير وإعداد وفيق يوسف وقرأتُ في إهداء سبيعي لي ما سطرت يده “كم هو ثمن الحب باهظاً في هذه الحياة” كما عدت وقرأت ما استهل به تلك المذكرات حين كتب أنه لم يكن وارداً في ذهنه أن يكتب مذكراته يوماً، وذلك لسبب بسيط هو كونه مقتنعاً تماماً بأنه لم يحقق في حياته ما يستدعي كتابة المذكرات قائلاً “لستُ سياسياً أتحكم بالمصائر، ولستُ أديباً كبيراً أساهم في صنع عقول ووجدان الناس.. إنني فنان امتهن الفن في زمن صعب وشق طريقه بكثير من الألم والمعاناة والصبر والجلد، ولا أعرف إن كنتُ قد نجحتُ حقاً، إذ أنني لم أحقق ما حلمتُ به لأسباب كثيرة، ولا أعرف أيضاً إن كانت نجاحاتي هي الغالبة أم إخفاقاتي فلستُ أنا من يقرر هذا الأمر وإنما يقرره الناقد والقارئ والزمن، لكن دافعَين دفعاني للتفكير في الأمر ملياً ومن ثم التعاون مع الكاتب وفيق يوسف على صياغة هذه الأوراق، أما الدافع الأول فهو إلحاح الكثير من الأصدقاء والمعارف ممن عاصروا أو عايشوا أو اطلعوا عن كثب على بعض محطات الطريق الطويل الذي قطعتُه كي أصبح فناناً في زمن لم يكن الفن فيه يعدني بأكثر من الشقاء الدائم والمعاناة المتصلبة، وأما الدافع الثاني فهو رغبتي في اطلاع الأجيال الجديدة من الفنانين الشباب على هذه المحطات من حياتي ليدركوا حقيقة المعاناة التي عاشها جيلي قبل أن ينجح في الارتفاع بمكانة الفن في مجتمعنا، وليذكروا حقيقة الدور الذي لعبه جيل الآباء في حياتهم، وبيّن أنه وقبل البدء بهذه المذكرات عاهد نفسه أن يكون صادقاً تماماً، وأن يقول الحقيقة مهما كان الثمن، لأنه مقتنع بأن هذه هي الطريقة الوحيدة كي يكون لهذا الكتاب قيمة ما.

حكاية مدهشة
ولكل ما ذكره رفيق سبيعي في استهلاله أدركتُ ماذا كان يقصد معدّ هذه المذكرات وفيق يوسف حين بيّن في مقدمته لها، أن سيرة رفيق سبيعي تقدم حكاية مدهشة عن رحلة شاقة وطويلة قضاها فنان خرج من القاع الاجتماعي واتخذ مبكراً قراره بأن يكون فناناً وحسب، ولا شيء سوى فنان وفي زمن لم يكن المجتمع بالمقابل قد اتخذ قراره بعد بالاعتراف بالفنان وبأهمية الفن، وبالتالي لم يكن هذا المجتمع مؤهلاً لاحتضان الفنان ورعايته أو حتى احترامه وتقديره، وهكذا كان على فناننا أن يشق طريقه في أقسى ظرف ممكن، وأن يواجه حرباً شعواء على مختلف الجبهات ابتداء من العائلة التي لفظت الولد (العاق) خارجاً لأنه خرج عن (الصراط المستقيم) و(السكك الجاهزة) ليشق دربه الخاص المغاير للسياق المعهود، وانتهاءً بالمجتمع الذي كان يصمّ أذنيه عن نداء الجمال ويصرّ على السخرية من مهنة نبيلة كالفن.. وهكذا خاض الشاب الموهوب حرباً لا هوادة فيها في مواجهة محيط اجتماعي يتعامل معه ومع مهنته بالسخرية والتحقير والتهميش حيث يتم إنزال الممثل إلى (مشخصاتي) والمطرب إلى (مغنواتي) والموسيقي إلى (آلاتي) وكلها ألفاظ سخرية وانتقاص.. وعلى هذا النحو يمكننا كما أشار يوسف تخيّل الرحلة الشاقة التي قضاها رفيق سبيعي عذاباً وحرماناً، جوعاً وبرداً، هرباً من الفنادق بسبب العجز عن دفع الإيجار المتراكم، وتنقلاً بين المدن والفرق الفنية المتعثرة قبل أن يصل إلى بر الأمان وينجح في تكريس اسمه كواحد من رموز الفن السوري المعاصر.
وبيّن يوسف أنه اليوم وحينما يتأمل الجمهور أعمال رفيق سبيعي فإنه على الأرجح سيغبطه على نجاحه وتألقه، ولكن قلة قليلة تدرك كم كان صعباً وشاقاً طريق النجاح وأنه لم يكن مفروشاً بالورود أبداً، وتلك هي الغاية الأساسية من هذه المذكرات أن تروي الحكاية كلها بحلوها ومرّها، وتعيد ترتيب تلك التجربة الغنية. ونوّه يوسف إلى أن سبيعي حينما قرر أن يروي مذكراته أو يكتبها فإنه على الأرجح كان قد اتخذ قراره الخطير بالمواجهة مع نفسه أخيراً بعد رحلة عمر مثقلة بالتقلبات، ويُفترض بأية مذكرات أن تستند أساساً إلى الصدق في الكشف عن مفاصل ومحطات تلك الرحلة، وذلك ما سنصادفه في سيرة “أبو صياح”، فهي تحمل درجة الصدق القصوى، فلا يتورع فناننا عن رواية أدق تفاصيل حياته، سواء منها الشخصية أو الفنية أو السياسية أو الاجتماعية، وتلك نقطة تسجل لصالح الراحل سبيعي وتمنح مذكراته أهمية مضاعفة فتتجاوز كونها سيرة فنان، لتغدو سيرة مدينة ومجتمع وسيرة الفن أيضاً، فهذه الأوراق التي يجب أن يقرأها الجميع برأي يوسف تقدم لنا لوحة بانورامية للحياة في سورية ودمشق بخاصة منذ الثلاثينيات ومن مختلف جوانبها، وتمثل رصداً قامت به عين ثاقبة لفنان عايش تلك الحياة بمختلف تقلباتها وتقلّب معها هبوطاً وصعوداً على امتداد الحقبة الفائتة، وهكذا يجد القارئ صفحات ترصد البنى الاجتماعية القائمة والتحولات التي طرأت عليها وصفحات سياسية ترصد الاضطرابات والتقلبات التي عاشتها البلاد طويلاً وموقع فناننا منها، بالإضافة إلى الصفحات الفنية التي تكشف لنا حقيقة الصراعات الدائرة في كواليس الوسط الفني، وهي صراعات تترك في بعض الأحيان جروحاً لا تندمل، موضحاً يوسف أن أحداً لا يستطيع إغفال النتاج الضخم لفنان مثل رفيق سبيعي ما بين آلاف الساعات الدرامية وآلاف الأشرطة المخزنة في أرشيف إذاعة دمشق، أو عشرات المسرحيات الجادة التي قدمها للمسرح القومي أو المسلسلات التلفزيونية الكثيرة أو أفلامه السينمائية التي تجاوزت 45 فيلماً ليكون مجمل نتاجه حصيلة ثمينة تشكل جزءاً هاماً من حصاد الفن السوري في النصف الثاني من القرن العشرين.

من الألف إلى الياء
منذ فترة ليست ببعيدة أجريتُ مع الفنان رفيق سبيعي حواراً تحدث فيه عن رحلته الفنية من الألف إلى الياء على صعيد المسرح بالتحديد، وأول ما يلفت نظر المطّلع على هذه المسيرة أن دوره في الحركة المسرحية السورية لم يقتصر على مرحلة معينة، أو على نمط محدد من أنماط الأداء المسرحي، وهو الذي عاصر عدة أجيال مسرحية بدءاً من مرحلة الفرق الفنية الأهلية التي كانت تقدم أعمالاً ذات طابع شعبي، مروراً بالأعمال الكلاسيكية التي قدمها من خلال فرقة المسرح القومي، وصولاً إلى تجربته في مسرح الشوك وانتهاءً بتجاربه مع شباب المسرح السوري الذين كان يجد فيهم امتداداً طبيعياً لجيله والأجيال التي سبقته، وقد أكد في هذا الحوار أنه كان من المتابعين لتجارب الشباب في المسرح، وكان سعيداً أكثر عندما دعوه ليشارك في تجاربهم، ونوّه إلى أنه استمتع بهذه الأعمال التي شارك فيها حين نقلوا إليه روح الشباب من خلال عقليتهم المختلفة وأحلامهم الكثيرة، كما لم ينكر في هذا الحوار تأثير التقدم بالعمر على عمل الفنان المسرحي، خاصة وأن الذاكرة –كما قال- تخون الإنسان مع التقدم بالعمر، بالإضافة إلى ما يتطلبه العمل المسرحي من جهد كبير يحتاج إلى قوة الشباب ولذلك أجاب حين سألتُه هل تتوفر اليوم عوامل مغرية من شأنها أن تقنعك بالعودة إلى خشبة المسرح؟ أجاب: “كل ما له علاقة بالمسرح يغريني بالعودة إليه ولكن السؤال الذي يجب أن يُطرَح هنا هل ما زلتُ أمتلك القدرة على العمل في المسرح؟” وفي ختام الحوار أوضح أنه يجب أن نعترف أن المسرح في الأزمات هو أكثر الأطراف تضرراً، ومع هذا يجب أن يقوم بدوره وأن تكون له وظيفة وأن يؤدي مهمته، خاصة وأنه أداة توعية هامة في أي مجتمع من المجتمعات.
أمينة عباس