ثقافة

وضاح رجب باشا يحاضر عن الموشحات وأغنيات النصر في حلب

طرح وضاح رجب باشا في محاضرته التي خصصها للحديث عن تاريخ حلب العظيمة احتفاءً بتحريرها تساؤلاً عن علاقة المدينة بالطرب الأصيل بطيب القدود، وعرف الأدوار، وعبير الموشحات ونفح المواويل، وبيّن بأن حلب الشامخة بقيت تغني رغم سنوات الحرب.
ولم تكن محاضرته عن التاريخ الموسيقي الذي اتصفت به حلب فقط، وعن التشاركية الثنائية بين الطرب والهمّ الوطني، وإنما تناول تاريخ حلب العمراني مساجدها، كنائسها، بيوتها القديمة، أسواقها، خاناتها، آثارها، أبوابها، ليتوقف عند مشاهد حلب القديمة التي تهدمت بحقد وهمجية الإرهابيين لطمس معالم أقدم مدينة مأهولة في العالم كما صنفتها اليونسكو، تلك المشاهد التي أبكت الحاضرين تأثراً بقسوتها وانعكاساتها الحياتية الصعبة. والأمر اللافت الذي تطرق إليه الباحث من خلال مشاهداته الحيّة وتكرار زياراته خلال سنوات الحرب إلى منزل عائلته في العزيزية كونه ابن حلب، هو روح التآلف والتلاحم الاجتماعي والتضافر بين المسلمين والمسيحيين وأرمن حلب الذين كان لهم دور اجتماعي كبير في استضافة المسلمين المهجّرين في منازلهم. كما نوّه إلى الحبّ الكبير الذي يجمع أبناء حلب والذي وقف سداً منيعاً في وجه الحرب التي لم تستطع أن تفرقهم، مستعرضاً بعض مواقف الإيثار التي شهدها في المعاناة الشديدة من أكثر أزمات الحرب المياه.
عاد الباحث باشا إلى تاريخ حلب وإلى ما سُميت به في رقم مملكة إيبلا “روان”، كما ورد اسمها في ماري”حلبة” ليتوقف عند معناها بالسرياني وتعني البياض، وتابع ذكرها الموثق في كتاب الأغاني للأصفهاني الذي قدم موشحاته هدية إلى أمير حلب سيف الدولة الحمداني، وفي روائع الأدب العالمي في مسرحيتي عطيل وما كبث لشكسبير.ليمضي مسار الحديث نحو البعد العاطفي ببيان الارتباط الشديد بين المواطن الحلبي والمدينة الأثرية حلب القديمة المشتهرة بصناعاتها، والذي تحوّل الآن إلى جرح لا يمحى بعد تدميرها وخرابها، لينتقل إلى طبيعة جغرافية أرضها ومساحتها الواسعة وأبوابها العشرة التي غدت ثمانية ومنها باب الفرج- باب الحديد-باب الأحمر وغيرها، إلى أسواقها وخاناتها وطرازها المعماري القديم والحديث.

الزوايا والتكايا
وتطرق الباحث إلى تاريخ الطرب في حلب، فبدأ من الحفلات الدينية والتواشيح والمدائح النبوية، التي انطلقت من الزوايا والتكايا وأوضح الفرق بينهما،فالتكايا هي أماكن العبادة التي يتلى فيها القرآن الكريم وتتردد الأذكار، بينما الزوايا هي الركن الذي يجلس فيه المنشد مع فرقته، مثل زوايا الكيالية والرفاعية والجذبة واعتمد الباحث باشا على كتاب”أهل الطرب” تأليف شادي جميل الذي دوّن أربعمئة علم من أعلام موسيقا حلب الكبار مثل عمر البطش وكمال الصباغ ونجمي السكري وصباح فخري ورشيد مامللي.ثم بدأ من الموشحات القديمة”موشح أنت سلطان الملاح”وصنفه بأنه من أجمل الموشحات التي غناها صباح فخري من مقام جهاركاه.” أنت سلطان الملاح يا مليك وأنت ملك”، وموشح”باسم بين اللآلئ”، إلى الموشح الذي لحنه عمر البطش وقيل إنه يعبّر عن حاله حينما ضعف بصره” قلت لما غاب عني” غناء محمود فارس- من مقام النهاوند” هام قلبي زاد وجدي، فمتى وصلك يكون، غاب عن عيني ضياها، يا قمر دارالعيون”.

الطرب والحرب
ومن الموشحات انتقل الباحث إلى المحور الهام في المحاضرة وهو تلازم الطرب مع معاناة حلب بالموسيقا والغناء الذي صدح بويلات الحرب التي ذاقتها حلب وانعدام مستلزمات الحياة الضرورية، وتهديم وتخريب معالمها، فبدأ من شادي جميل الذي غنى”اسمك يا شهبا انكتب” ليتوازى صوته مع قلعة حلب الشامخة إلى المشاهد القاسية لتهديم حلب القديمة، ولم يتمالك الحاضرون السيطرة على مشاعرهم حينما اختار الباحث باشا الموال الحزين الذي غناه الفنان أحمد سليمان ولامس معاناة أبناء حلب “جاروا عليك ياحلب- الله وحده يعين” – ومنه إلى كلمات صفوح شغالة “شهبا غرامك غلب” إلى أغنية سمر عبد العزيز”حلب بتسلم عليكم”والتي ترافقت مع صور تاريخ حلب العظيم الجامع الأموي وأسواق حلب وجامع التوحيدي المزدان بأربع مآذن..إلى مشاهد التفجيرات لتنتهي بدموع سمر عبد العزيز وهي تغني “نور الدنيا كله مني ياحلب”، كما عرض الباحث مقتطفات من أغنية فؤاد ماهر المؤثرة التي باح بها بأوجاع حلب وبسرقة مصانعها ومعاملها” عجب صمودك يا حلب- رغم الجوع، رغم البرد، والعتمة بتفتح الورد، وتبقى الشهبا عل العهد”.
وأنهى الباحث محاضرته بأغنية نور مهنا”حبك ع جبيني انكتب”وبتوجيه رسالة فخر واعتزاز بصمود حلب ورسالة حبّ إلى جميع أبناء الشعب السوري.. ليصفق الحاضرون على وقع كلمات “سورية يا حبيبتي”.

ملده شويكاني