ثقافة

سحرٌ يغلّف حضورهم.. أم فضولٌ يَسْكننا

عندما أرادت “أجاتا كريستي” الانتقال إلى نوع جديد من الكتابة اختارت أن تتّخذ لنفسها اسم “ماري ويستماكوت” إخفاءً لهويتها الحقيقية واستهدافاً لشريحة جديدة من القراء بعيداً عن وقع اسمها الحقيقي، ومثلها فعلت صاحبة السلسلة الأشهر خلال العقدين الأخيرين “جي. كي. رولينغ ” فأصدرت ثلاث روايات  باسم “روبرت غالبيرت” رغبة منها بالعودة إلى نوعٍ جديد من الأدب دون حكم مسبق.
“ستيفن كينغ” الذي يعد من أغزر الكتاب إنتاجاً إذ أنه يصدر أحياناً أكثر من ثلاث روايات في العام الواحد، ما دفع ناشريه إلى نصحه أن يتّخذ اسماً مستعاراً كان “ريتشارد باكمان” في اختبار حول استحقاقه تلك النجاحات وعدم اتكائه على الاسم المعروف مسبقاً.
الجميع دون استثناء إلى جانب أسماء أخرى نجحت؛ ليس في جذب الأنظار والقراء فحسب، بل في استثارة الفضول والرغبة بالكشف عن صاحب القلم المبدع، على اختلاف الأسباب التي دفعت بكل واحدٍ منهم للتخفي خلف الاسم الوهمي.
هي تجربة روائيين من الغرب لكن الأمر ينساق بشكل طبيعي على الكثير غيرهم من روائيين ومبدعين وصحفيين، وحتى أصحاب برامج تلفزيونية تكتسب يوماً بعد يوم المزيد من الأصوات والمتابعين والمريدين، والأهم جيوشاً  يتم تجنيدهم سراً وعلانية من الباحثين عن الشخصيات المتوارية خلف الأضواء.
على صفحات التواصل الاجتماعي تحتل “عديلة” التي يرجّح أنها تخفي رجلاً ما خلف اسمها، مكاناً في أعالي السلم من المتابعين، والصفحة ترصد حياة وتحركات وأعمال المشاهير عرباً وأجانب، عبر طرائف ونكات وفيديوهات ساخرة، وصل مريدوها إلى ما يقارب المليون متابع بينهم المستهدفون أنفسهم الذين باتوا مابين مرتبك وعامل على أن يكون بعيداً عن سهامها التي تصيب الهدف دوماً، وما بين من يحاول الاستفادة من شهرتها في تحريك الأنظار باتجاه نتاجه، والأهم أنهم جميعاً تاهوا في بحث حثيث حول حقيقتها، كما يبحث آخرون عن الشخصية التي تقف خلف دمية من قطن وإسفنج وأقمشة، بصوت محيّر قد يكون رجلاً وربما كان أنثى، باتت الدمية الأشهر في العالم العربي وتخطى متابعوها حاجز المليون على مواقع التواصل عدا المنتظرين بلهفة موعد “أبلة فاهيتا” برنامجها على شاشة التلفزيون، أغلبهم والكثير سواهم يبحث جدياً عن الحقيقة المتخفية خلف الدمية خفيفة الظل وصاحبة اللسان السليط، حتى أنها أُخضعت غير مرّة؛ للتحليل من حيث التركيبة واللغة واللهجة المحيرة، الانتماء الديني، والخلفيات السياسية والاحتمالات الجندرية، يدفعهم الفضول والتوجس والشك وهواية التلصص وبعضاً من السحر يكتنف المجهول الذي أمامه.
<<<<<<
أما السوري الذي يتخفى خلف اسم “نارام سرجون” منذ بداية حرب هذا الزمان، فتح موقعه مضافة لكل زائر راغب فأكرم وفادته، سواء اتفق معه أو اختلف، فله أسبابه الخاصة، يقول وقد أصبح البحث عن حقيقة الساحر المتخفي خلف الاسم الأصيل، يشغل الكثيرين من قرائه والعديد من الأقلام الصحفية فيشرح انتماءه إلى عالم المجهول: “أنا مواطن سوري مثلكم، أعيش في بيت وطني، وأحب أن أتناول غدائي في دمشق القديمة، وأن أسهر مع أصدقائي في مطاعم بيت شرقي، أخرج في العطلات إلى الربوة ومطاعمها، أدرك أن هذا زمن الشجاعة وأنا لا أتحرك مقنعاً بالأقنعة لأنني لا أخشى شيئاً فحبي لبلدي لا يخشى شيئاً ولن أتردد في التضحية في سبيلها، فهناك جنود وأبطال لا يجب أن يكونوا أكثر سخاء وشجاعة منا”. فيشرح انتماءه إلى عالم المجهول وأنه نارام لا شيء سواه: “ليس من سبب لانتمائي إلى هذا الاسم دون سواه سوى أنني مؤمن أننا دخلنا مرحلة وطنية جديدة يجب علينا أن نخرج من ثيابنا القديمة وأسمائنا القديمة التي صارت لها تهم جاهزة؛ تعبت من الاسم الذي أعطاني إياه والدي –أمي وأبي-  وناداني به أهل حارتي وأصدقائي، أريد اسما آخر، وفوق كل ذلك أنا أريد أن أنتمي إلى الجميع، الجميع دون استثناء ..
وأنا أريد أيضاً أن أتمتع بحريتي في التنقل في الأزقة والحارات وأن أتنقل بين كروم الدوالي في السويداء وقرى الساحل وولائم أهل درعا وفي حديقة أبي فراس الحلبية، وفي مطاعم دمشق القديمة دون أن يلاحقني الفضول وتقاطعني الأسئلة وتستوقفني النظرات.. ودون أن أعامل بتميز، الشهرة جميلة بلا ريب واهتمام الناس آسر، لكن الحرية أجمل بكثير وضياعك بين الناس رائع”.
أرجو من كل الأصدقاء أن يغفروا لي أنني نارام ولست شيئا آخر.. وأنني “شبكياً” بلا ملامح وبلا عنوان؛ لكنني لست شبحا؛ وإذا ظهرت يوماً أمامكم فذلك لأنني لم أعد قادراً على الكتابة؛ وهذا ما سيحدث حتماً في نهاية الأزمة السورية عندما يتوقف قلبي عن الانفعال، عندها سأقتحم عليكم احدى السهرات لأودعكم شخصيا ولأشكركم لاستضافة كلماتي في جوارحكم، فأنا لا أكتب إلا منفعلاً، وفي حالة التأثر والحماس والعشق.
<<<<<<
هو السحر.. السحر الذي يحيط بشاعر عاشق لفتاة ساحرة الجمال مرت أمامه، ورحلت فقرر أن يهدي قصيدته لجميع نساء العالم، إلّا أنه كما يقول: “حبيتي معروفة للجميع، وأنا أعرفها وأعرف عنوانها، لكنها عثرت فهببت لمساعدتها وإنهاضها، قبل أن تتابع سيرها أعطيتها وردة لتعرف أني أحبها، هل هذا يكفي”؟.
نعم يكفي هذا من سبب يفوق الكل عداها خلف التخفي، سحراً وقيمة وأيضاً إثارة للفضول.

بشرى الحكيم