ثقافةصحيفة البعث

آخر ليلة.. أول يوم.. لعبة التمثيل في عبثية النص وتنويعات مشهدية

 

 

في إطار خطة وزارة الثقافة – مديرية المسارح والموسيقا- مشروع دعم مسرح الشباب، قدم على خشبة المسرح القومي باللاذقية العرض المسرحي المختلف والممتع (آخر ليلة.. أول يوم) للكاتب والناقد المسرحي المبدع جوان جان الذي سعى لإضافة رؤية عبثية حداثوية في حكاية شخصيات واقعية، ومن إخراج الموهوب نضال عديرة الباحث في لغة العرض عن تنويعات بصرية حركية إيقاعية.
من جديد.. تقترب عقارب ساعة الحائط من الواحدة بعد منتصف الليل.. ليلة عاصفة.. ماطرة من “آخر ليلة.. أول يوم” من شتاء 2017، والليلة التقليدية بانفعالاتها العبثية المكررة بين الزوجين النمطيين، الحالمة بالشهرة والتميز ككاتبة درامية (منى) والتي جسدتها ببراعة الفنانة غربة مريشة، والدكتور الغارق بانفعالاته وصخبه وغيرته (وسام) الشخصية الحاضرة بقوة والتي جسدها الفنان القدير زياد شرمك، ومع هاتين الشخصيتين الرئيستين (منى ووسام) اللتين تشكلان قطبي العرض تتمحور أحداث كل ما يمكن أن يمتد في أقاصيص الكثيرين من الأزواج في مختلف مواقع صراعات الرجل والمرأة.
لقد كتبت غير مرة حول تلك الليلة وأهمية معالجة النص المسرحي المبتكر، وأشرت في مطالعتي التشريحية التحليلية إلى العلاقة الجدلية بين فلسفة العبث المبنية على أن الإنسان موجود في عالم شرطي لا معقول، ومضامين مسرح العبث والإغراق في حاضر الأحداث المحلية الراهنة وانعكاساتها السيكولوجية على شخصيات المستقبل، ومنها حالات هذيان النفوس المضطربة والخلاف والاختلاف الأشبه بالهستريا، وحالات أخرى بدت ضرباً من فنون الجنون الانفعالي العبثي المتأزم من خلال صراعات نفسية ومعالجة جديدة مبتكرة واكبت في إسقاطاتها الرمزية ودلالاتها الفكرية العميقة المنعكسات النفسية في الكثير من مواقع الأسرة السورية، بل في كثير من مواقع الصراعات المتواترة بين أطراف مجتمعاتنا الشرقية التقليدية، مركزاً النص على ما خلفته تلك المجتمعات من انكسارات تجاوزت في انقلاباتها حدود ما يطلق عليه منظومة الحياة، والتي تعكس في تناميها المتواتر حالات التضاد غير المبررة لأفعال الرجال والنساء على حد سواء، في المواقف، والسلوكيات، والنبرة الكلامية المتصاعدة، والعبثية المفرطة تارة، والهادئة المقلقة تارة أخرى، المأخوذ عن النص العبثي الأصل (تخريف ثنائي) للفرنسي الشهير يوجين يونسكو، والذي وضعه بعد الحرب العالمية الثانية، مواكباً بذلك الكاتب جوان جان ما أنتجته الحرب الإرهابية على سورية من حالات سيكولوجية أقرب إلى المرضية، وصراعات يومية حياتية جعلت من تناقضات الأطراف أفعالاً قد تودي بهم إلى نهايات مؤسفة، وربما مأساوية تنتهي بالتفرقة بين الأطراف، دون الإشارة المباشرة إلى ما يدور خارج زمن العرض من أحداث حرب ونزاعات، ومن دون أن تخرج الحكاية من حجرة البيت الفقير الذي يسكنه الزوجان، الكاتبة الدرامية (منى) والدكتور (وسام) حتى مع لحظات الأصوات الخارجية والمعرفة بفعل سرقة اللصوص لبيت الجيران، والذي دل بأسلوب ذكي إلى ما حدث ويحدث في الواقع من سلوكيات تعرضت لها بعض البيوت المهجورة في أيام الحرب.
كما كتبت في عرض سابق لذات النص حول المعالجة المكتوبة بلغة محلية (عامية) والتي جعلت من النص المنتمي إلى مسرح العبث (اللا معقول) أقرب إلى الواقع المعاش المبتور في أزمنته، متمرداً في صياغته على مدرسة أرسطو التقليدية، وغيرها من مدارس فنون كتابة النص المسرحي، متجاوزاً منهج تسلسل الحكاية في عناصر الزمان والمكان والحدث، محدداً مكانه ذلك البيت المستأجر الفقير، دون الاكتراث لأهمية التنوع الزماني والمكاني، وكما هو الحال في مسرح العبث البعيد في أسلوبه عن ما يسمى بالعقدة والحل، مقرراً– أي الكاتب جوان جان- العودة إلى الفصل المسرحي الواحد، وأقل عدد من الشخصيات، وفي معالجة تعتمد الحواريات القصيرة والتي يحكمها الغموض والإيهام في الكثير من مفاصلها، ثم البتر في السياق الحكائي، والانتقال السريع لموضوعات متنوعة غير متجانسة دون أن تكتمل، أو حتى محاولة إيصال مقولاتها ورسائلها التضمينية.
وبهذا السياق يمكن التوقف بتأمل حول هيكلية الشكل وعلاقته بالمضمون، بدءاً من الديكور الواقعي والأقرب بألوانه إلى الدموي (اللون الأحمر)، والتي تشير رغم الحرب النفسية المتواترة بين الزوجين إلى فضاء حالم رومانسي أبدع في تشكيله وتصنيعه مهندس الديكور التشكيلي الشهير محمد بدر حمدان، والذي أضفى بفنه جمالية واقعية تبتعد عن الافتراضية في معظم عروض مسرح العبث، إضافة إلى إضاءة غزوان إبراهيم عنصراً وظيفياً جمالياً للأزمنة وانتقالاتها المفترضة بين صالون الزوجين، وخارجه، إلى استخدام المخرج عديرة الصالة وامتداد طرف الخشبة لمشهدين ظهر فيهما الشابين اللصين (جعفر درويش، منار آغا) واللذان يؤكدان بأدائهما المتميز أهمية رسالة مشروع دعم مسرح الشباب، إلى أن تدور عجلة الأيام فتتبدل روزنامة السنة وفي ذات الزمن والساعة وموعد الاحتفاء من عام 2018 تعاد الحكاية التي اختتمت موضوعها بجوهر الحب واعترافات الزوجين أنهما لم يدعوا أحداً للسهرة في ليلة الاحتفال بمرور سنة جديدة على الحب، وهي علامة تسجل للمبدع جوان جان في صياغة تفاصيل الحب من عواصف الألم وغيرة العشاق الحقيقيين.
جسد شخصيات العمل الفنانون: زياد شرمك- غربة مريشة، بالاشتراك مع جعفر درويش، منار آغا، مساعد مخرج: بسام سعيد_ ديكور: محمد بدر حمدان- إضاءة: غزوان إبراهيم- صوت: مها وسوف، تصميم ملصق وإعلان: زياد حمدان- إدارة منصة: يقين زينة- تنفيذ ديكور: مالك يوسف- مكياج: زينة عساف.
بطاقة تقدير لفريق العرض ولمبادرة مديرية المسارح والموسيقا المشروع الوطني المسرحي الشبابي الإبداعي.
إلياس الحاج