ثقافةصحيفة البعث

أهل الضاد والكتاب

 

الحديث عن الخيبات والانكسارات التي تمر بها منطقتنا العربية منذ عقود، بات حديثاً مملاً وساذجاً، وخصوصاً في زمن صار فيه كل ما كان مخجلاً فيما مضى، علنياً وظاهراً وله رسالته الواضحة التي لا لُبس فيها –التطبيع مع الكيان الصهيوني- على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن ثمة حديثاً لا تتراجع قيمته ولا يخفّ منسوب الحاجة إلى التذكير بقيمته بين الحين والآخر، حتى إن كان الإيمان بقيمة الكلمة وقوّتها وأثرها بات ضعيفاً بين الناس في هذا الوقت، حيث سيلاحظ سريعاً، كل متتبّع للوضع الثقافي العام في الوطن العربي تراجع وتدهور الحياة الثقافية واضمحلال نسبة الإنتاج الثقافي والفكري، والانتعاش المترف للخرافة الشعبية وأبطالها العتاة النائمين بين أغلفة الكتب، والحركات البهلوانية لحكواتي المقاهي الشعبية، مع تنامي ظاهرة التمسك بالعلاقات التقليدية الاجتماعية المتخلفة التي أكل عليها الدهر وشرب، وواقع الحال الذي نتقلّب على جمره الآن، يشير إلى أن الثقافة العربية، باتت تعاني من تراجع مستمر في مستواها الفكري والأخلاقي يصل إلى الحدّ الموجب لإطلاق أبواق الإنذار التي عبّر عنها ولو مجازياً الشاعر إبراهيم اليازجي بقوله:

تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب            فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

أمام هذا الواقع المخزي والمزري فعلاً كان لا بد من الوقوف على أسباب هذا الانحدار الثقافي والأخلاقي برمّته، لنجد أنفسنا أمام آلاف الأسئلة غير المحيرة بطبيعتها الجذرية؟ بقدر ما هي مزعجة بوضوحها وجلاء حقيقتها المؤلمة حقاً، ولنصطدم بجدار الأفعال التشويهية التي ساهمت في تكريس هذا التدهور والانحدار، بدءاً من توجه هذه الثقافة إلى الشكلية الناتجة عن التقليد الأعمى للغرب وقيمه المعلّبة كطعام القطط، والابتعاد عن الجوهر الأصيل، والابتكار الحر، السمة المميزة للمفكر والشاعر والمبدع العربي الحق، انطلاقاً ممّا سمّي عصر الجاهلية، وصولاً إلى مرحلة صدر الإسلام والفتوحات الإسلامية وما تلاها من العصور الذهبية للثقافة العربية، التي شكل فيها العصر العباسي، جوهرة التاج لهذا العقد الفريد، نظراً لتمجيده دور العلم والفكر وإعلائه الشأن الفكري بشكل عام.

كثيرة هي الأسباب التي تقف وراء وأمام وحول وحيال تدهور الحالة الثقافية العامة في البلدان العربية، وبالطبع هنا لا نستبعد فكرة المؤامرة الكونية على هذه الأمة، إلا أن هذه المؤامرة لم تكن لتجد لها موطئ قدم لولا الأرضية الخصبة الصالحة لغرس بذار هذا التخلف وبالتالي قطف ثماره السامة، ولعل المد الأصولي التطرّفي الذي سيطر على الحياة العربية منذ منتصف السبعينيات تقريباً، وتنامى أفقياً ورأسياً وبشكل مضطرد ولحوح، هو أحد أهم أسباب ذلك التراجع والنكوص الذي ألم بالحياة الثقافية العربية، إلا أن تراجع دور الكتاب كمصدر أصلي وأصيل، في تقديم المعارف والأطروحات الفكرية، كان له بالغ الأثر في الوصول إلى هذه الحالة المحبطة فعلاً، من السطحية والتقليد الأعمى لما نتلقّفه يومياً وبكميات كبيرة، من الشبكة العنكبوتية التي باتت اليوم في متناول الجميع، وبالتالي توفرت تلك المساحة الحرة من كل قيد لكل من هبّ ودب ليدلي بدلوه، تلك المساحة التي كانت وقفاً على دور النشر، والدوريات المحترمة، بممارستها لدور الرقيب النقدي الجاد في إعدام كل استسخاف وميوعة، وتصدير كل قيّم ونبيل، رغم النسبية والمزاجية التي حكمت بعضها، حسب مرجعيتها الأيديولوجية الفكرية وتوجّهها السياسي والمزاج الثقافي العام السائد في كل زمان ومكان، حسب خصوصيته الاجتماعية وطبيعة النظام السياسي القائم فيه، وهذا الشأن يحتاج إلى وقفة معه في دراسة منهجية توضح طبيعة العلاقة القائمة بين الكاتب والناشر بشكل تفصيلي.

إذاً أصبح الإقبال على مطالعة الكتب في تراجع إن لم نقل في أزمة، فقد أصبح شيئاً عادياً أن نرى المكتبات شبه فارغة من الذين يهتمون بالكتب، على اعتبار أن الفئة التي تطالع أصبحت ضئيلة، والأغلبية الساحقة هم أبناء الفيس بوك والتويتر والواتس، وهم غالباً لم يعودوا يهتمون بالمطالعة الجادة لأمهات الكتب العربية التي يجدها الكثير منهم متخلفة بل مملّة، ولأروع ما وصلنا من الأدب العالمي بمختلف ضروبه، رغم وجود بعض الآراء المعارضة لهذا الطرح، التي لا ترى في وجود وسائل الاتصال أي خطر على وجود الكتاب، فهذه وسائل وجدت في الغرب منذ فترة طويلة، ولم تؤثر في الإقبال على شراء الكتب، بل على العكس ازدادت طباعة الكتب، إذ لا يقل عدد نسخ الكتاب المطبوع في مختلف العواصم الأوروبية عن خمسين مليون نسخة، وتضعنا الأرقام أمام مقارنة مضحكة ومخجلة في آن واحد‏، ‏حيث يتضح أن المواطن الألماني يقرأ في المتوسط ‏48 ‏كتاباً سنوياً مقابل نصف كتاب يقرأه العربي في الفترة نفسها ولاسيما إذا علمنا أن المعلومة الموثوق بها التي ترسخ في الذهن أكثر هي المأخوذة من الكتاب مباشرة.

الثقافة التي شكّلها وجود الكتاب في الوجدان الإنساني، العربي منه بشكل خاص، والتي بدأت ملامحها بالتلاشي، كانت هي من جعلته يتطور ويتقدم ويسهم في تطوير الحياة بالعلم والفكر لجميع الشعوب، وكثيرة هي الأمم التي بنت مجدها على كتاب، بقي خالداً بينما أوابدها تذروها الريح والسنون، لتتراجع ثقافة الكتاب ودورها البنّاء الآن، بضغط لا يقاوم من وسائل الميديا التفاعلية ومواقع التواصل الاجتماعي، مع العديد من إشارات الاستفهام والاستغراب من الوصف “اجتماعي” على اعتبار أن هذه الوسائل جاءت أحد أهم نتائجها مسبّبة العزلة والوحدة والكذب، وها نحن نجني ثمار الغياب شبه التام لهذه الثقافة التي تم تزويرها وتسويقها على أنها “الحياة الجديدة” من خلال شخصيات فنية وثقافية عربية للأسف، أجيال لا وعياً حقيقياً لديها، تتعرّف من خلاله على الصائب من الخطأ، اتكالية، ولا قدرة لديها على الابتكار، مكتفية بكونها مستوردة حتى للثقافة والفكر، مقلّدة ومتبنّية سلفاً لما يأتيها عبر كتابها الإلكتروني العام، وما الذي تمر به المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، إلا دليل لا يقبل الشك، على غياب دور الفكر التنويري فيها، والتبني الغبي لمنطق الجماعة أو العشيرة أو الطائفة الذي كشّر عن أنيابه وبدأ ينهش جسدنا العربي، ولا نية لديه للتوقف عند هذا الحد ما لم “تستفيقوا” يا أهل الضاد من عجمة بلعت حتى أرواحكم.

تمّام علي بركات