ثقافةصحيفة البعث

حنا مينه: “البحر أنا.. فيه ولدت وفيه أرغب أن أموت”

 

رحل شيخ البحر حنا مينه بعد مسيرة طويلة وغنية في عالم الأدب والحياة تاركاً خلفه اسماً كبيراً وإرثاً إنسانياً وأدبياً لا يشبه أحداً.. عن مهنته ككاتب كان يقول: “مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة.. لا تفهموني خطأ.. الحياة أعطتني بسخاء.. يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاراً مع نجيب محفوظ بعد نوبل، ومع نزار قباني وغزلياته التي أهلته لأن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين.. يطالبونني في الوقت الحاضر بمحاولاتي الأدبية الأولى التي تنفع الباحثين والنقاد والدارسين، لكنها بالنسبة إلي ورقة خريف أسقطت مصابيح زرق”.
كان مينه يرى أن أكثر الأدباء العرب لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب: “لا أدّعي الفروسية.. المغامرة نعم.. أجدادي بحّارة.. هذه مهنتهم.. الابن يتعلم حرفة أهله.. احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحّار على المراكب.. كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي.. هذه المسيرة الطويلة كانت مشياً بأقدام حافية في حقول من مسامير.. دمي سال في مواقع خطواتي.. أنظر الآن إلى الماضي نظرة تأمل حيادية فأرتعش.. كيف؟ كيف؟!”.

أوسع الكتّاب انتشاراً
قبل مينه كانت هناك تمارين مدرسية روائية، وبإنجازه الفني لروايات فنية متميزة مثل “الشمس في يوم غائم” و”بقايا صور” كان له دور تأسيسي في بناء الرواية السورية وتطورها، وهو الذي كان يؤكد في حواراته أن قضيته هي قضية شعبه، وقد كرّس كل إمكانياته الإبداعية للكلام عنه وعن قيعان المدن والأرياف وعن مصالح وهموم وتطلعات الناس الذي يقرؤونه ويحبونه حتى غدا الكاتب الأوسع انتشاراً بين الكتاب العرب، وإذا كان الراحل نزار قباني قد اكتشف اللغة السلسة في الشعر ونزل بها إلى الناس فإن حنا مينة في نسغه نزل إلى هذا الشعب وابتدع لغة تعبّر عن همومه ومشاكله وقضاياه الساخنة ونضالاته في سبيل غد أفضل .

المرأة.. البحر.. وظمأ لم يرتوِ
كتب مينه عن المرأة وألقى عليها أبهى الصفات (الأم-الخصب-المجتمع) وكان قد قال ذات مرة: “لو خيّروني بكتابة كلام فوق شاهدة قبري لقلتُ لهم: اكتبوا هذه العبارة: المرأة.. البحر.. وظمأ لم يرتوِ” لذلك قال: “أرفعوا تمثالاً للمرأة.. كونوا من حضارة القرن العشرين، فموقف الرجل من المرأة قضية حضارية، ولا أتصور وجوداً جميلاً إلا في وجود المرأة”.. من هنا شكلت المرأة في رواياته المأوى والملاذ لإيمانه المطلق بقدرة المرأة على صنع الحياة، وأنها في ميدان التقدم الاجتماعي صانعة هذا التقدم في ممارستها السلوكية التي تملك الجرأة للخروج على المألوف، وكان يرى المرأة أكثر من حبيبة ورفيقة وزوجة وأخت.. إنها ملهمة وشريكة كفاح وأم، على كتفيها نضع كل متاعبنا، وعلى صدرها نستريح.
أما البحر فكان -كما يقول- “حبيبي، وقد خرجت بتعاملي معه عن شواطئ المتوسط إلى بحور العالم وشواطئها” ومع ذلك ظل يفكر كيف السبيل إلى الكتابة عن البحر.

صخب المرح
قال الشاعر شوقي بغدادي عن الراحل حنا مينه أنه كان نموذجاً إنسانياً يذكِّر بأبطال الروايات الروسية الشهيرة بنكهتها الشعبية التي تجمع بين صخب المرح والهدوء التراجيدي العميق والجد والإخلاص في أي عمل يُسنَد إليها مثل أبطال تولستوي وغوركي، فلا عجب -وقد كان هو الدينامو في تأسيس أول تجمع أدبي ملتزم سمي “رابطة الكتاب السوريين”- أن يكون هو المؤسس العملي لهذه الرابطة التي أصبحت فيما بعد رابطة الكتّاب العرب، في حين أكد الناقد المصري صلاح فضل أن حنا مينه كسر –بعنفوانه- قوانين الزيف والنفاق في المجتمع ليقدم أصدق سيرة ذاتية عرفتها الرواية العربية بحديثه عن الفقر المادي، فكانت “بقايا صور” 1974 بداية الثلاثية الشامية الملحمية المعادلة لثلاثية نجيب محفوظ، تبعتها “المستنقع” و”القطاف” وكان يستمد نسغ أعماله الفنية من تقلبه المرير على سطح الحياة الساخن منذ أن كان صبياً يسحقه الجوع والقهر في إقليم اسكندرون السوري، فكانت رواياته عامة و”بقايا صور” على وجه الخصوص تمثيلاً جمالياً لاغتراب الإنسان المستلَب في المجتمع الظالم ومعاناته لأشكال الشقاء المادي والروحي.

سيرته
ولِد الأديب الراحل في مدينة اللاذقية لعائلة فقيرة في 9 آذار عام 1924 وحاز على شهادة الدراسة الابتدائية عام 1936 وكانت آخر عهده بالتحصيل العلمي، وعمل حلاقاً منذ أوائل الأربعينيات وتنقل بين مهن كثيرة وشارك في النضال ضد الفرنسيين واعتُقِلَ وسُجِنَ مرات عدة، وانتقل إلى بيروت عام 1946 ثم إلى دمشق 1947 واستقر فيها وعَمِل محرراً في جريدة “الإنشاء” ثم رئيساً للتحرير، وأسس مع شوقي بغدادي وفاتح المدرس وسعيد حورانية وصلاح دهني وحسيب كيالي رابطةَ الكتّاب السوريين عام 1951 وقد نظمت الرابطة عام 1954 مؤتمرها الأول الذي تحولت فيه إلى رابطة الكتّاب العرب بمشاركة عدد من الكتّاب الوطنيين في سورية والبلاد العربية، ثم تنقّل بدءاً من عام 1959 في منفاه الاضطراري ما بين الصين والمجر والاتحاد السوفييتي وبلدان أخرى على مدى عشر سنوات.
إثر عودته إلى سورية عمل في وزارة الثقافة خبيراً في مديرية التأليف والترجمة والنشر، كما أنه شارك في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب عام 1969 وكتب الرواية والقصة القصيرة والمقالة والدراسة الأدبية والسيرة، وتُرجِمت أعماله إلى عدد من اللغات الحية وأعيدت طباعتها أكثر من مرة عن دار الآداب وأُعدّ بعضُها للسينما والدراما التلفزيونية، بالإضافة إلى تناولِ عدد كبير من النقاد والدارسين تجربته الإبداعية التي نوقشت فيها رسائل جامعية عدة.
حاز على عدة جوائز عربية وعالمية أهمها:
-جائزة سلطان العويس في دورتها الأولى 1988-1989 – جائزة المجلس الثقافي لجنوب إيطاليا في العام 1993 عن روايته “الشراع والعاصفة”- وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في العام 2005 -جائزة “الكاتب العربي” في العام 2005 التي منحها اتحاد الكتّاب المصريين بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيسه.
القسم الثقافي