صحيفة البعثمحليات

“الفزاعة”!

 

لم تتخطَ حصيلة الحملة على الفساد والفاسدين خلال السنوات الماضية حدود النتائج التي حققتها الفزاعة التي كانت ومازالت توضع في الحقول لإخافة الغربان وحماية المحاصيل التي وللأسف أصبحت مع الزمن وجبات دسمة للغربان التي تأكل بهناء وبيسر وتتلذذ بتخريب الحقول، وهي في أحضان الفزاعة التي لا تمتلك أي قدرة على الحركة أو التغيير فكل ما تفعله لا يتعدى ردة فعل روتينية على هبوب الرياح.
ولاشك أن إقرار الشارع السوري بأن العمل في زمن الحروب له خصوصيته التي تفرض جهوداً استثنائية ومبادرات وقرارات تتماهى مع الأوضاع السائدة وتراعي كافة الوقائع والمستجدات التي لا يمكن تجاهل انعكاساتها على الواقع المعيشي للناس، إلا أن هذا الإقرار يحمل في طياته الكثير من الإشارات الاستفهامية الاتهامية الباحثة في هذه الأجواء عن فريق عمل قادر على صناعة قرار حقيقي يخدم المصلحة العامة ويكرس مفهوم (أبوة الدولة) الذي يعزز هيبة المؤسسات الحكومية وحضورها الفعلي في الحياة العامة التي من المفترض أن تكون بدورها في حالة تعبئة واستنفار دائم وجاهزية عالية للتفاعل مع أي قرار بطريقة إيجابية، ولكن هذه الجاهزية مشروطة بتوفر عامل أساسي وهو المصداقية في العلاقة ووضوح الرؤية وغياب المتناقضات التي قد تقطع “حبل الود” كما يقولون، وهذا ما يخسر القرار الحكومي قاعدته الشعبية ويحيل نتائجه إلى غياهب الرفض وإلى ساحات الانتقادات اللاذعة للأداء الحكومي.
وطبعاً كلامنا السابق لا يندرج في خانة الطعن في صحة التوجهات أو التشكيك بمصداقية أي جهة، وفي الوقت ذاته لا نسعى للتبرير تحت مظلة (الاستثنائية) أو تبييض الصفحات على حساب الواقع، بل نريد إيصال صوت الناس إلى أصحاب القرار وخاصة أن الشارع ليس بخير، والأمور ليست في أحسن أحوالها، ولا يمكن تجاهل حالة الاستياء التي تسوده خاصة بعد إطلاق الكثير من الخطط والبرامج الإصلاحية التي تعد بالانفراج القريب للكثير من المشكلات المستوطنة في الحياة العامة دون أن تحقق أهدافها.
وفي أيام الدراسة علمونا أن نهتم بالمواضيع الغريبة وأن نميز إعلامياً بين عضة إنسان لكلب وعضة كلب لإنسان حيث تستقطب الحالة الاستثنائية والفريدة الناس، وفي هذا الزمن الذي كثرت فيه العضات المعيشية.. انقلبت المفاهيم والأفكار، فبات الشريف وصاحب الضمير هو الحالة الاستثنائية، وبات الحرامي والفاسد بمثابة القدوة الاجتماعية.. وطبعاً لن ننأى بأنفسنا عن تقديم الأمثلة والشواهد التي تتراقص ثرواتها في ساحة العمل الوظيفي بكل مجالاته أو تلك المتنكرة بزي الأزمة، ولكن كثرتها ووضوح شخصياتها يقلل من أهمية تحديدها، والأجدى الآن المطالبة بتقديم المزيد من الإسعافات الأولية بأسرع وقت ممكن للشرفاء الذين يعملون بصمت وبدوافع مشحونة بطاقات إيجابية عنوانها (البلد أولاً)، فهل هناك من يسمع هذا النداء؟! أم هل ستسمر عمليات التغطية على الفاسدين وحقن المجتمع بزمر سلبية في أهدافها وغاياتها؟
بشير فرزان