ثقافةصحيفة البعث

علاقة الناتج الإبداعي بشخصية صاحبه

 

 

يرى الإيطالي “بينيديتو كروتشه”-1866 – 1956- أن الطير يغني للغناء ولكنه في غنائه يعبر عن مجمل حياته، أي أن نتاج الفنان أو المبدع أي يكن هذا النتاج الإبداعي، هو حاصل التفاعل بين طبيعة كل من المُنتَج الإبداعي وشخصية مبدعه، بحيث لا ينفصل هذا النتاج عنها وعن جوانياتها وعوالمها الفعلية فيه، وإلا يصبح فنه مجرد آلة تعيد ترتيب مفردات المنتج الإبداعي الخاصة به، إذ أن الفنان والمادة والشكل والتعبير، يعتمد كل منهم على الآخر، فليس لواحد منهم وجود بمعزل عن الآخر، والمضمون التعبيري لأي عمل لا يكـون على ما هو عليه إلا بسبب العناصر المادية، والتنظيم الشكلي، والموضوع، وهى العناصر التي يؤدى تجمعها إلى تكوين إما قصيدة بديعة أو رواية خلاقة أو فيلما سينمائيا مدهشا أو قطعة موسيقية تأسر الروح، كل حسب أداة التعبير التي يستخدمها، ومن الصعب أن نصف بالكلمات التعبير أو نقدم له تصوّرا دقيقا، لأنه – أي التعبير – ليس علامة أو أمارة يتركها الفنان فوق عمله الفني، بل هو العنصر الإنساني الحقيقي الذي يكمن في صميم هذا العمل؛ لأن العمل الفني لا يحيا إلا إذا دخل إلى صميم الآخرين، وليحقق هذا الشرط الصعب، لا بد أن يكون المُبدع، هو ما يقدمه، روحه في تلك القصيدة، أو هذه اللوحة أو ذاك الفيلم، الخ، فالفنون عموما تسعى لتحقيق الجماهيرية، والدخول إلى العقول والأفئدة دون استئذان، بل كأنها أنفاس تتنفسها، فما نفع أغنية لا أحد يستمع لها، وما أهمية فيلم لا جمهور له، وماذا تعني قصيدة إن لم تكن تعلق في الروح منذ قراءتها الأولى، وعملت ما عملت فيها من شعور حسي صاف، وإلا فماذا تكون فعلت؟.
والأمثلة عن ما سبق ذكره عديدة، ماضيا وحاضرا، ففي الوقت الذي كان هناك من ينال جائزة نوبل عن “ماركيز” -1927-2014-، كان هو من يجلس في نفس الوقت إلى آلته الكاتبة، يكتب لأكثر من 10 ساعات في اليوم، هذا بعد أن أتم أهم رواياته قبل أن تزحف الجائزة إليه، لذا فإن أعماله الروائية تنطبق عليها صفة الجماهيرية، فقلة هم من لم يقرؤوا ماركيز في العالم!، وهذه محصلة طبيعية لنتاجه الأدبي الراقي، الصادر عن روحه وخبرته في الحياة وما مرّ فيها من تجارب، راحت تصفيه حتى غدا شفافا كالقنديل؛ أيضا، الشاعر سليمان العيسى، الذي نذر شعره للأطفال، هل كان لاسمه أن يصبح على لسان أي طفل –الشريحة الأصعب إرضاء- لولا أن نتاجه الشعري عبر أرواحها الحساسة، وترك ما ترك من عظيم أثر فيها، وهنا يمكن السؤال: لماذا نجح في ذلك الفن الصعب، عندما فشل غيره في ذلك؟، ربما سمعنا كسوريين مؤخرا بالـ “الطش والكش والهش” ولكننا سمعنا بها للسخرية منها، لا لتمجيدها، على العكس تماما مما قدمه شاعر الطفولة حقا من روحه الطفولية، فالفن عموما ينبثق من الانفعال وهدفه هو “التعبير” عن هذا الانفعال الذي يتذكره وينجزه -بمعادلته الحسية الشخصية-، الشاعر في هدوء وسكينة.
بالتأكيد هناك العديد من وجهات النظر التي تقول العكس، أي أن نتاج المبدع، منفصلا عن شخصيته وطبعه، فقد يكون سكيرا عربيدا، ويكتب شعرا جميلا، وقد يكون لصا ويخط قصة قصيرة جيدة، وقد يكون الفنان التشكيلي مجنونا، لكن لوحاته رائعة؛ إلا أن وجهات النظر تلك، ماهي في الحقيقة إلا الاستثناء هنا في القاعدة، أو النفور عن الحالة الطبيعية والحقيقية،فالفن عموما يرتبط بالانفعال كما يرتبط العلم بالعقل، والحق بالإرادة، ويصادف أنه قد ينجح هذا الاستثناء مرة، لكنها لن تتكرر، والأمثلة على ذلك أيضا عديدة وكثيرة، حاضرا وماضيا؛ شاهدنا وسمعنا خلال السنوات الثماني الماضية، عن شعراء وفنانين وكًتاب وغيرهم من المحسوبين على فئة الإبداع والفن، ظهر نتاجهم الإبداعي على حقيقته عندما امتحن المعدن، فشف عن مرضى نفسيين وطائفيين مقيتين، أو شغيلة ، عند هذه الجهة أو تلك، ومن بالطرف المقابل؟ وطنهم، الوطن الذي من بعض ما قيل فيه: بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلي وإن ضنوا علي كرام.
يقول “كولنجوود: “عندما يقال إن إنسانا ما، قد عبر عن الانفعال، فإن هذا القول يعنى: أولا: أنه على وعى بأن لديه انفعالا، إلا أنه غير مدرك لماهيته. وكل ما يعيه أو يدركه هو وجود قلق يشعر به وهو يتردّد بين جوانبه، لكنه يجهل حقيقته، وعندما يكون في هذه الحالة، فإن كل ما بوسعه قوله: (أنني اشعـر، ولا أعرف ما أشعر به)،فمن حالة العجز هذه والضيق يفرّج عن نفسه بأن يفعل شيئاً نسميه “التعبير عن ذاته” وفي هذا الكلام ما يدل بشكل قاطع على أن النتاج الإبداعي لكل فنان – الشاعر والروائي والتشكيلي والكاتب كلهم ينضوون تحت اسم الفنان- هو ملتصق بشخصه، فلا يمكن للسفيه أن يكتب رواية جيدة، ولا للسخيف أن يَعتدّ بقصيدة لا تستحق القراءة، ولا لعديم الموهبة أن يفخر بلوحته التشكيلية التي لا يعرف إلا كل ذي بال طويل، ماذا يقصد بكل تلك الألوان والخيوط المتضاربة!.
الفن والإبداع منحة ربانية أولا، لا تستقبلها إلا الأنفس الصافية، أما الأنفس المريضة فمن المحال أن تُنتج فنا عظيما، ربما لهم شكل قائم، أما المضمون فيشبه المثل التالي، عندما قال المعلم لتلميذه: إذا رأيت بيتا منظره جميل من الخارج، إلا أن داخله عفن، هل تسكن فيه، فأجاب التلميذ بلا، ليردفه المعلم بالقول: كذا المعرفة، تأنف إلا النفوس الشفافة النقية، والفن معرفة أولا.
تمّام علي بركات