اقتصادصحيفة البعث

صمود الليرة في حربها يفرض استراتيجيات للمرحلة المقبلة…ومعاودة الإنتاج أكثر العوامل المساعدة! 

دمشق – ميادة حسن

مازالت المخاوف تثار حول واقع الليرة السورية وانخفاضها أمام الدولار، ولا زال استذكار مكانتها السابقة وإمكانية إعادتها لما كانت عليه محط أمل يعوّل على الجهات المعنية تحقيقه، خاصة أن معيشة المواطن تأثرت بشكل كبير نتيجة انخفاض قيمتها خلال سنوات الحرب وانعكاس ذلك على تدني الحالة الاقتصادية للأسرة السورية في ظل الارتفاع الملحوظ للسلع في الأسواق، وعدم السيطرة عليها نتيجة تذبذب سعر الصرف. لقد تحولت تبعات هبوط الليرة السورية إلى هاجس يومي يقلق المواطن السوري، إذ بات الجميع يسأل عن سعر الصرف بشكل يومي، ولعل اللوم الأكبر يوجه إلى سياسة المركزي كونه الجهة الرسمية المعنية بالسياسة النقدية.

يمكن تعافيها ولكن..!

استطاع المركزي خلال الثلاث سنوات السابقة تخفيض الدولار إلى 350 ليرة سورية لمدة لم تتجاوز الأسبوع، ليرتفع بعدها إلى 400 ليرة، واستمر بالارتفاع إلى أن بات يلامس حاجز الـ540 ليرة أمس، وأشارت بعض المصادر الرسمية إلى أن الليرة يمكنها التعافي بفترة زمنية بسيطة، لكن ليس من الحكمة كما كان يرى البعض أن تهبط الليرة بسرعة، فالهبوط المفاجئ -وفقاً للعقلية الاقتصادية- له أثاره السلبية أيضاً، ويمكن أن يحدث كارثة اقتصادية، إذ سبق أن عمل أحد الاختصاصين في فترة سابقة على فكرة استقرار الدولار وإمكانية المحافظة على سعره كحد أدنى للتخفيف من آثار تقلباته اليومية على المواطن، إلا أن هذه السياسة لم تدم طويلاً رغم نتائجها الإيجابية..!

غياب الاستراتيجيات

تذكر بعض المراصد الاقتصادية أن التطورات العسكرية والسياسية لها تأثيراتها على الدولار، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الاستيراد لبعض السلع وزيادة الطلب على المحروقات، وزيادة العقوبات الاقتصادية وغيرها، لكن هنا لابد لنا من استشارة من كان بها خبيراً لمعرفة حقيقة ما يجري حول قيمة الليرة السورية، إذ يرى أحد المختصين الاقتصاديين أن العملة الوطنية تعبر عن الحالة الاقتصادية للبلد، فتذبذب العملة صعوداً أو نزولاً يشير إلى حالة اقتصادية غير مستقرة، ليبين أن انخفاض قيمة الليرة السورية ناتج عن عاملين أساسيين؛ هما ارتفاع الطلب على الدولار، وارتفاع نسبة الاستيراد للمواد الكمالية بشكل أكبر يوحي بدوره بضعف الإنتاج الوطني، وتزايد عدد رؤوس الأموال التي غادرت البلاد، حيث يتم تزايد الطلب على الدولار من أجل الهجرة للعمل في دول أخرى، وهذا له انعكاسات سلبية بظروف الحالة التي تمر بها سورية، لأن قياس الحالة الاقتصادية هو نسبي يخضع لتغيرات الزمان والمكان، وفي ظرفنا الحالي فإن أي ارتفاع في الطلب على الدولار هو مؤشر سلبي وليس إيجابياً؛ لأن الحالة العامة غير إيجابية، وقد يكون انخفاض قيمة الليرة ناجماً عن تراجع الإنتاج المحلي، وذلك ضمن سياق ما يسمى فجوة الاقتصاد الوطني، أما تراجع الإنتاج المحلي فهو مؤشر سلبي ناجم عن إحجام الصناعيين والمنتجين عن الإنتاج نتيجة تغيرات الظروف الإنتاجية وارتفاع سعر المواد الأولية وتكلفتها.

في كل الأحوال المشكلة لا تكمن فقط بتذبذب سعر الصرف واعتباره محور المشكلة، وأنه أمر سيئ، وإنما بغياب الخضوع لمحاكمة أكثر عمقاً، وهي استراتيجية المرحلة المقبلة لجهة ما يتوجب العمل عليه لزيادة عمليات الإنتاج الوطني من السلع، أي أنه في حال امتلاكنا لاستراتيجيات واضحة للإنتاج الوطني من السلع والخدمات، والمزيد من الاستقرار للحالة العامة للبلاد يمكن الوصول بالتالي إلى انعكاس إيجابي على استقرار العملة الوطنية، والاتفاق على سعر الصرف المناسب يكون محققاً للغايات الاقتصادية المطلوبة منه.

الوجود

ثمة وجهة نظر متفائلة تخترق مخاوفنا حول واقع الليرة السورية وتأثيراتها على حياة المواطن، وهي جهة نظر أكاديمية للدكتور الاقتصادي فادي عياش الذي يرى أن الليرة السورية حافظت على وجودها رغم انخفاضها أمام الدولار، واستطاعت الصمود أمام جميع التحديات التي واجهتها خلال الأزمة التي كان لها تأثيرات معقدة نسبياً، في حين أنها لو واجهت عملة أكبر بلد في العالم لتمكنت من تدميرها بشكل كامل، وبدليل أن هزة صغيرة في تركية هبطت العملة بسرعة كبيرة وبشكل مفاجئ؛ فكيف إذا واجهت ظروفاً قاسية كالأزمة السورية، وبالعموم فإن معدلات الارتفاع مازالت ضمن الحدود رغم آثارها السلبية، فسعر الصرف يعتبر ضمن حدوده الآمنة، وهذا يعود لسياسات المركزي الحريصة على الحفاظ على العملة السورية وضمن المقدرة المتاحة؛ مما يؤكد على القوة الداخلية للمصارف والبنوك العامة والخاصة في حفاظها على إمكانياتها وقدرتها في فترة الحرب، فالظروف لم تكن سهلة أبداً، لكن قلة الوعي وانهيار الثقة بالليرة السورية ساهم في ارتفاع سعر الصرف، ووجود المضاربين والانتهازيين للحرب كان له أثر سلبي كبير، وفي كل الأحوال فإن هناك أسباباً آنية لهذا الارتفاع، ويمكن أن تزول خلال المراحل المقبلة والتي بدأت مؤشراتها تظهر على الواقع الاقتصادي في عملية إعادة بناء المصانع والمعامل والعودة إلى الإنتاج من جديد.