ثقافةصحيفة البعث

الشاعر عمر النص بين الدبلوماسية والأدب

 

فضل البوح بأشعاره بصمت، ولم يسع إلى ضجيج المنابر وأضواء الشهرة، وكان واحداً من أفذاذ الشعراء الرومانسيين الذين كان البيان عندهم ذا سعة، وإن أزمة الألم الفرداني والذاتية اللتين استحوذتا على شعره لم تكونا سالبتين لغنى تجربته الفنية والإنسانية، ولئن عاش الشاعر عمر النص في ركن قصي تناءى عن الضوء يتجرع مرارة ألمه الناغل، أبى شعره الوهاج إلا أن يخرج للناس باسطاً نوره على موائد عشاق الشعر ومتذوقي البيان السمح العذب.
و”بين الدبلوماسية والأدب” كان الشاعر عمر النص قامة من قامات الفكر والأدب والحياة في الندوة الشهرية الثانية في مكتبة الأسد التي يديرها د.إسماعيل مروة، وألقى عصام الحلبي قصيدة شعرية للشاعر الكبير.

في حضرة الجمال
ومن الشهادات التي قيلت بالشاعر هي ما قاله بدوي الجبل عنه: “إنه شاعر العرب الأكبر”، وقد شارك وزير الثقافة محمد الأحمد في الندوة التي بدأها بأبيات للشاعر الكبير:
“أأَنْتِ كَتَبتِ أحَرُفَها أأنت/ وَكَيْف كَتَبَتِها وَلِمَنْ كَتَبَت؟
إلي هذا الأريج يَدَق بابي/ ويقهر وحشتي ويدك صمتي
أَقبلها.. وَأَدفنها بصدري/ كأَنّك خلف أحرفها استترت!
أتلك قُصاصة؟ أأنا خيال/ تهم شجونه فتكاد تحكي؟
يكاد الأمس يَلُهث في عروقي/ وَيَزرع في جفوني ألف شك”
وأضاف: كان جدي، بدوي الجبل، يشجعنا على القراءة أنا وبقية أحفاده منذ نعومة أظفارنا، وذات يوم رأيته يمد لي كتابين أنيقين باذخي الورق والغلاف والإخراج، قائلاً لي: اقرأ هذا الشعر، وقرأَتَهُ فسحرت به، وأصابني دوار المفتون، وسكرة المأخوذ، ودهشة الوقوف في حضرة الجمال، لقد كان هذان الكتابان أول ديوانين يصدرهما شاعرنا الكبير عمر النص، الذي نحتفي به اليوم ولهذا جاء ديوانا “كانت لنا أيام” و”الليل في الدروب” ليتركا في قلبي وقتئذ ما يتركه المطر الكريم في قاحل الأرض وأديمها المغير.
وذات يوم سمعت جدي يعطي موعداً لعمر النص عندنا في البيت، ولم أكن قد رأيته قبلاً، وكان جدي يستقبل ضيوفه في النصف الأول من النهار، وكنت حينئذ طالباً في الجامعة مواظباً على حضور الدروس كلها، وساءني أن عمر النص سيأتي ولن أكون موجوداً. حينئذ لم يكن مفر من اللجوء إلى عذر ما، فاستأذنته في ألا أذهب إلى الجامعة ذلك اليوم، رغبة مني في التعرف على شاعري المفضل، وهذا ما كان وقد جلست في حضرته وهو يتسامر مع جدي، محدقاً بإعجاب في تعابير وجهه وإيماءات يديه، وتفاصيل ثيابه. فتذكرت قول تشيخوف: كل شيء في الإنسان ينبغي أن يكون رائعاً: وجهه وثيابه وروحه وأفكاره. فقد كان عمر النص في ذلك اللقاء مثالاً للروعة كما عناها تشيخوف بأعلى تجلياتها، لقد فتنت بشخصه بعد أن فتنت بشعره، وفتنت أيضاً بأدبه الجم وحزن عينيه وصمته العارف.

الغائب الحاضر
محطات كثيرة ومواقف عديدة وحياة عامرة بكل معاني العطاء والحب والإخلاص تميز بها الشاعر عمر النص وتحت عنوان “الوالد في صورة وجدانية” قال د.إحسان النص: حياة ثمارها يانعة وقطوفها دانية لمن يقترب منها بحب فيتناول مالذ وطاب، بحر عميق يمكن أن يغترف منه كل طالب علم وكل حريص لمعرفة هذه الشخصية الفذة، وكنز ثمين لكل من عرفه وعاش معه.
عمر النص هو الغائب الحاضر بيننا، غائب بجسده فقط ولكنه حي حاضر بأخلاقه الكريمة وقيمه الإنسانية وإنتاجه الثري الذي خلّفه وبصماته المؤثرة التي تركها شاهداً على حياة زاخرة بالعطاء والخير العميم.
ويضيف د. النص: كان عمر النص قدوتي بكل شيء كان رجلاً متميزاً يعيش مع الناس بجسده وأحاسيسه، لكن فكره يعمل في عالم آخر ينتظر ومضات الشاعر البراقة فيهرع ليسجلها ويودعها شعره البديع الذي ينم عن قريحة نادرة فتنساب درراً منثورة.

اللغة في الشعر
يقول الشاعر شفيق جبيري “إذا كان عمر النص في شعره ابن هذا العصر فإنه في لغته ابن العصور التي نضجت فيها لغة الشعر فغاص في هذه اللغة عن اللآلئ”، وعن اللغة في شعره قال د.محمد القاسم:
إن ما جُبل عليه النص من كريم الطباع أبى أن يختطفه بهرج الحداثة أو أن تستحقه الشهرة، وليس فيما كان عليه النص من التواضع والهيبة والأمانة والصدق ما يغري دارسي الأدب والنقاد بالاقتراب منه على ماعلمت من أدبه وإتقانه الحقيقي في الشعر شكلاً ومضموناً. والملاحظة العامة على لغته هي ثقافته الواسعة بالتراث العربي واطلاعه عليه وتمرسه بأساليبه وافتتانه بأعلام العمالقة مثل البحتري الذي أوصله إلى صفاء لغته ومنحه وطناً للشعر يركن إليه. هو لا يبني معانيه على معانيهم إذ جل معانيه أبكار استولدها من نفس حيرى تنهشها الوساوس وتكبلها الظنون، بل يجيل بصره في ألفاظهم وتراكيبهم فيحلوها بموهبة فذة ويزيدها حين يرصفها بريقاً ولمعاناً.

الموسيقى
بنى النص قصائد ديوانه الأول “كانت لنا أيام” على سبعة بحور الخفيف والطويل والمتقارب والوافر والرمل والسريع والكامل، وعن الموسيقى في شعره قال د.شفيق البيطار:
يلحظ أن البحر الخفيف استأثر بوزن ست قصائد وهو بحر محبب لدى أصحاب النزعة الرومانسية، وغلبة البحر الخفيف والطويل على كثير من قصائده ذات الصبغة التأملية أو الفلسفية، واعتماده على المجزوءات في المواقف التي تهز وجدانه من ألم أو فرح. وليس في الديوان الأول شيء من التجديد في الأوزان سوى ما جاء من استعمال بحرين معاً، أما بقية شعره فيلحظ أنه جاءت 48 قصيدة مجزوءة، وجاءت 13 قصيدة مشطورة، وبذلك يكون مجموع المجزوءات والمشطورات 68 قصيدة من أصل 131، وعدد من قصائده على مجزوء المتقارب أو المجزوء المتدارك وهما نادران في الشعر العربي قديمه وحديثه.
جمان بركات