الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

خصومة الأدب..!

حسن حميد

بكى تورغنيف، أديب روسيا الكبير (1818-1883) حتى تورّمت عيناه حين رحل دوستويفسكي (1821-1881) أديب روسيا الكبير أيضاً وقد كان الاثنان على عداوة وخصومة حين راحت الآراء النقدية الجادة، وقراءات الناس لمدونتيهما الأدبيتين، تشيل بأحدهما وتقرظ ما كتب، وتحط بالآخر وتزورّ عن ما كتب. بكى تورغنيف، حين شعر بالفقد الرهيب لرحيل دوستويفسكي، وأن قلبه توجّع وأنهك من كثرة الألم والغُصّات التي حافته، فقد ظلمَ دوستويفسكي بأقواله وآرائه عنه مرات عدة، ووصّفه وأدبه بـ توصيفات لا تليق بإبداعه، وأنه كان يداً من الأيدي الكثيرة التي صفعت وجه دوستويفسكي من دون وجه حق، وأن العاطفة، والغيرة، والأنانية، وعدم الروية جعلته بعيداً عن الحكمة والإنصاف وهو يقرأ أدب دوستويفسكي الذي سمّاه، فيما بعد، بالأدب العظيم، وقد ظلّت عينا تورغنيف تدمعان كلما قرأتا مكتوباً خطته يد دوستويفسكي، وقابل دوستويفسكي آراء تورغنيف بالصدود مرة، والرد عليها مرة أخرى. وقد كانت تلك الآراء المتبادلة ما بين الأديبين، وجلّها آراء للهدم والإساءة، سبباً في القطيعة الحادة التي نشبت فيما بينهما. لقد اتهم تورغنيف كتابة دوستويفسكي بالسذاجة، وعدم الترابط، وبعدها عن المنطق العقلي، والمتانة اللغوية، وخلوها من جماليات البديع للغة الروسية، وغياب مفاعيل الخيال التي تمنح الأدب أجنحة لا قدرة للواقع على منحها، وأنها كتابات غارقة في مستنقع المشكلات الاجتماعية، وتصوير البؤس والرذيلة، وتحبير النوازع والشهوات، وكل هذا ليس من مهام الأدب لأن مهمة الأدب، وفق رؤى تورغنيف، هي الجمال الإنساني وليس القبح الإنساني، واتهم دوستويفسكي كتابة تورغنيف بالصنعة، والكتابة من وراء الجدران عن الحياة الروسية، (لأنه عاش في أوروبا أكثر مما عاش في روسيا) وأن أناقة جملته سلبت الأحداث عفويتها وجماليتها البكر، وأن أسلوب تورغنيف أسلوب حذلقة والتفاف على المعاني من أجل أن تظل المسافة شاسعة ما بين الكاتب وقرائه.
وهكذا ظل سوء العلاقة ما بين الأديبين قائماً إلى ما قبل وفاة دوستويفسكي بشهور عدة، عندما التقى الاثنان في حفل إزاحة الستار عن نصب لـ ألكسندر بوشكين سنة 1881، وقد ألقى دوستويفسكي كلمة باسم أدباء روسيا، كانت أشبه بالنشيد الوطني جمالاً، واحتراماً، وإحاطة، وتقديراً، وما إن ترك دوستويفسكي المنبر ليعود إلى مقعده حتى التقاه تورغنيف واقفاً فأخذه بين ذراعيه في عناق طويل، وهو يهمهم بكلمات الشكر والمديح والثناء لكل كلمة قالها دوستويفسكي، وحين افتك أحدهما الآخر، كانت دموع كل منهما تتلامع على وجهيهما مثل اعتذار جميل محا كل أشكال تلك العداوة التي عمّرت سنوات طوالاً بين الاثنين!
ومثل هذه الخصومة في الآداب العالمية كثير، ومنها أدبنا العربي، كتلك التي كانت بين العقاد ومن وافقه الرأي من الأدباء آنذاك وبين أحمد شوقي ومن جاوره في المواقف والرؤيا، وما بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، فقد كان شوقي لا يحبذ الموازنة بين شعره وشعر حافظ إبراهيم، وكان حافظ يقول: لماذا يغضب شوقي، فالناس تقول: خيار وفقوس، وسميط وجبنة، ونعيم وجحيم! فليأخذ هو الصفة الأولى ويترك لي الصفة الثانية، وأنا راضٍ!
ولكن الناس كانوا يعرفون تقديراً أحدهما للآخر، وكان شوقي المبادر إلى إطلاق لقب (بك) على حافظ إبراهيم من قبل الخديوي، وكان هو من سعى لكي يلتحق حافظ بصحيفة الأهرام، وكان هو من رثاه حين رحل قبله بقصيدة مهمة، مطلعها:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء
بلى، أفصح شوقي في هذه القصيدة.. عن مكنون حبه لـ حافظ إبراهيم، وعن تقديره لمكانته الشعرية.
قلت كل هذا لأشير إلى أن المحبة أصل، والخصومة تعلّه ليس إلا.
Hasanhamid55@yahoo.com