ثقافةصحيفة البعث

في انتظار أن يرى فيلمها “عنها” النور.. رباب مرهج: منحازة للمرأة بكل قضاياها

لم تكن طفلة عادية، فمنذ صغرها وعلى الرغم من خجلها كانت لديها دائماً وجهة نظر مختلفة، وحتى الآن تتذكر أنها حين شاهدت ظلّها أخبرت جدها أن أحدهم يلاحقها، فقال لها: “اجعليه صديقك” وعندما كانت تُسأل وهي صغيرة ماذا ستصبحين في المستقبل كانت تجيب: “سأصبح كل شيء” وقد ترجمت الـ “كل شيء” من خلال حبها للإخراج الذي يمكن من خلاله أن تصبح كل شيء.. وتبيّن الفنانة رباب مرهج في حوار”البعث” معها أنها اتجهت عام 1997 إلى فرنسا لدراسة الإخراج السينمائي في مارسيليا، ويؤسفها أنها لم تستطع إكمال دراستها هناك لأسباب مادية، فعادتْ إلى دمشق ودخلت المعهد العالي للفنون المسرحية لعدم وجود اختصاص إخراج، وأثناء الدراسة وفي سنتها الثانية عملتْ كمساعد مخرج وكممثلة في مسلسل “الأيام المتمردة” حيث رشحتها أستاذتها حينها، وبعد دراسة ثلاث سنوات في المعهد تركتْه لأسباب خاصة لتشارك مباشرة في عدة مسرحيات مثل: “كهرب، أرابيا، الأيام المخمورة، عبلة وعنتر وفي انتظار البرابرة وغيرهم.

الوجه الأول أمي

وكمخرجة نال فيلمها “الوجه الأول أمي” الجائزة الذهبية في مهرجان الأفلام القصيرة 2019 عن نص كانت قد كتبته عام 2002 إلا أنه لم يُنجَز في وقته لأنها قررت الدراسة في دبلوم العلوم السينمائية وفنونها، موضحة أن الدبلوم يُعَلّم بديهيات العديد من الفنون السينمائية، مع تأكيدها على أن التمثيل موهبة لا تُعَلَّم إلا أن أهمية الدبلوم تكمن في وضع هذه الموهبة على الطريق الصحيح، أما على أرض الواقع وكمخرجة فتؤكد مرهج أنها تتبع حدسها عادة بعيداً عن المصطلحات الأكاديمية، وهي تدرك أهمية الاجتهاد والبحث في أية مهنة لها علاقة بالإبداع شرط أن تكون الموهبة حاضرة..

رأى فيلمها “الوجه الأول أمي” النور من خلال المؤسسة العامة للسينما لإدراكها أن مثل هذا الفيلم بحاجة لمؤسسة ترعاه، وهو يتناول يوميات أم متمثلة بيوميات والدتها وهي تقوم بأعمالها اليومية منذ سنوات طويلة وكيف طرأ عليها بعض الإضافات في ظل الحرب، حيث أصبح لا يمر عليها يوم دون أن تخرج لرش الأرز على مواكب الشهداء إلى جانب مهمة توزيع الطعام على الفقراء، فهذه الأمور أضيفت على يومياتها فضاعفت الجهد حتى انحنى ظهرها، وقد شاهدت فيها مرهج سورية الأم التي تحمّلتْ كل شيء، مبينة أن أمها لم تعارض المشاركة في الفيلم بل رحّبت بالفكرة ليعرف المشاهد كم تتعذب الأم، وقامت مرهج بتصوير هذه اليوميات كما هي تماماً في بيتهم المتواضع، منوهة إلى أنها صورت بكل سلاسة حيث لم تضطر كمخرجة أثناء التصوير لإعادة أي مشهد من المشاهد التي صوّرتها أمها والتي وقفت أمام الكاميرا وكأنها ممثلة محترفة، وعندما انتهى التصوير بكتْ مرهج للحالة الممتعة التي كانت تعيشها مع أمها في بيتها أثناء التصوير، مؤكدة أن “الوجه الأول أمي” فيلم مختلف على صعيد طريقة التصوير وطريقة تقديم الفيلم الوثائقي، مبتعدة فيه عمّا اعتدنا أن نراه في الفيلم الوثائقي من ريبورتاجات ولقاءات لإيمانها بأن السينما ليست كذلك، كما لم تخشَ فيه من الخلط بين ما هو واقعي وما هو وثائقي لوجود حلول بصرية ممتعة فيه، ولأن التفاصيل فيه رُويت بدقة وعبر الكاميرا، مبينة أيضاً أنها عندما أنجزت الفيلم لم تفكر بالجوائز ولكنها كانت مدركة وجود طاقة كبيرة فيه وهي طاقة أمها التي كانت مؤمنة أن هذا الفيلم سيحصل على جائزة، وهذا ما حصل.

عنها

وتوضح رباب مرهج أن هناك فرقاً كبيراً بين فيلم “الوجه الأول أمي” وفيلم “عنها” الذي أنجزَتْه كفيلم قصير احترافي والذي لم يُعرَض بعد، حيث ينتمي كل واحد منهما إلى مدرسة فنية، ففيلم “عنها” فيه شيء من السوريالية مع أن شخصياته تعيش معنا، مؤكدة أن اختيارها لموضوع المرأة في فيلم “عنها” كان عن سابق إصرار، فهي منحازة جداً للمرأة بكل قضاياها، وفي هذا الفيلم تتحدث عن المرأة الممثلة ومعاناتها ضمن الوسط المهني والاجتماعي كزوجة وأم وممثلة والأذى الذي تتعرض له، وكل امرأة سترى نفسها فيه، وهي على يقين بأن فيلم “عنها” سيؤثر في الآخرين وهو ليس فيلماً للنخبة كما يعتقد البعض لأن النخبة من وجهة نظرها هي كل شخص منفتح بغض النظر عن كونه عاملاً أو فلاحاً أو بائعاً، شاكرة المؤسسة العامة للسينما التي لم تبخل عليها بشيء لتصنع الصورة التي في مخيلتها مع تشجيعها لتقديم أفضل ما عندها، لذلك قامت بتشغيل ثلاث كاميرات في الوقت نفسه، وهو أمر صعب جداً عندما لا يعرف المخرج ماذا يريد، أما هي فقد كانت تدرك ماذا تفعل،  فسارت الأمور بسهولة، خاصة وأن معها ممثلين محترفين كانوا شركاء حقيقيين لها لأنهم أدركوا بإحساسهم العالي ما تريد إيصاله، فتفاعلوا وقدموا إضافاتهم، فكانوا مصدر ثقة كبيرة.. من هنا تبدو متفائلة بهذا الفيلم الذي سيبصر النور، وهي راضية عنه كل الرضا، ولأنها ممثلة تتعامل مع الممثل كمخرجة تدرك أهمية منحه حرية التعبير عن الشخصية التي يجسدها ضمن الخطوط المرسومة لها لأنها لا تريد أن تُقَدّم نسخة عنها في التمثيل، ولا تنكر مرهج أنها كمؤلفة ومخرجة للفيلم كانت في ذهنها مجموعة ممثلين لأداء الشخصيات التي تناولتها، ولأسباب كثيرة اقتربَ بعض هؤلاء وابتعد بعضهم الآخر عن المشاركة الفعلية في الفيلم لتكون النتيجة تفوق ما سبق وأن تخيلته من خلال مشاركة فايز قزق، ميلاد يوسف، روبين عيسى، كرم الشعراني.

ملعب المخرجين

منذ سنوات ورباب مرهج غائبة عن المسرح وفي رصيدها عدد من الأعمال المسرحية المهمة إلا أنها غابت مرات عديدة عنه، خاصة في سنوات الحرب دون أن تعرف أسباب هذا الابتعاد لأن الموضوع في ملعب المخرجين وليس في ملعبها، وهي تذكر كيف كان الجميع في المعهد العالي للفنون المسرحية يقولون أنهم سيشتغلون في المسرح بينما كانت الوحيدة التي كانت تقول: “أريد أن أعمل في التلفزيون لأعيش” وعندما انتهتْ من الدراسة كانتْ الوحيدة التي تعتذر عن التلفزيون من أجل المسرح وما زالتْ حتى الآن تفعل ذلك حباً بهذا الفن، علماً أن آخر عمل مسرحي شاركت فيه بعد غياب طويل كان العام الماضي من خلال مسرحية “حياتكم الباقية” إخراج سهير برهوم وهي اليوم بطلة العرض الراقص “1.4” إلى جانب أحمد كنعان وأداء فرقة سورية للمسرح الراقص، فكرة وتصميم وإخراج نورس برو ومن المقرر أن تبدأ عروضه قريباً،  أما في السينما فقد شاركت مرهج كممثلة في أفلام: “فانية وتتبدد” إخراج نجدة أنزور وتألقت فيه بشخصية أم حسينو “العاشق” إخراج عبد اللطيف عبد الحميد و”مريم” إخراج باسل الخطيب، في حين أن آخر عمل تلفزيوني لها هو “وحدن” إخراج نجدة أنزور.

وتختتم مرهج حوارها بالإشارة إلى أنها تكتب دائماً وتترك ما تكتبه جانباً وتدريجياً ومما يحدث معها تتحول كلماتها وقصائدها إلى مشاهد لتترجمها لنص بشخصيات تدب فيها الروح، مبينة أن أفكاراً كثيرة تدور في رأسها، ومع الحرب صارت تضغط عليها أكثر وكلها أمل أن ترى النور على الشاشة الكبيرة والصغيرة.

 

أمينة عباس