اقتصادصحيفة البعث

مصادرة استقلالية “المنافسة” يحرف بوصلة العمل.. هل يعاد النظر بهذا الإجراء؟

حسن النابلسي

لا شك أن أبرز مقومات ضبط الأسواق المحررة، والتي تعتمد في تحديد أسعار سلعها وموادها على العرض والطلب، وجود جهة رقابية مستقلة تراقب وتتابع وضع السوق وكيفية اتجاهاته والتركيز على إتاحة المجال أمام المنافسة الشريفة، وبالتالي تحكم كافة الأنشطة الاقتصادية كاملة.

وعلى وقع انتقال الاقتصاد السوري من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، جاء إحداث الهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار لتكون بمثابة بيضة القبان التي تضمن توازن السوق وتضبط إيقاع الاقتصاد الوطني خلال مرحلة التحول، كما حدث في الدول التي سبقتنا في تطبيق قوانين المنافسة حيث قامت هذه الدول خلال مرحلة إصلاحها الاقتصادي بتحرير سلطة المنافسة من تبعيتها لوزارات حكومية وجعلها مستقلة.

خطأ

للأسف، هذا التوجه نحو ضبط إيقاع السوق لم يستمر كما رُسم له، وقد تم ارتكاب خطأ حكومي يتمثل باتْباع هيئة المنافسة إلى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بعد أن كانت تتمتع باستقلالية تتيح لها العديد من الصلاحيات، إذ أفضى هذا الإجراء إلى تقليص دور الهيئة، وتأطير عملها ضمن توجيهات الوزارة، فبعد مرور نحو عامين – أو أكثر ربما – على اتباعها للوزارة، لم نشهد أي أثر لهذا الإجراء على تنظيم واقع الأسواق وضبط الأسعار..!

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بوصلة هيئة المنافسة منذ إحداثها كانت موجهة باتجاه تعزيز المنافسة العادلة والحرة، ليأتي قرار اتباعها لوزارة التجارة الداخلية ليفقدها الاستقلالية والحيادية ويخضعها للأوليات التي تحددها الوزارة، بعد أن كان نطاق قانون المنافسة يشمل جميع أنشطة الإنتاج والتجارة والخدمات للقطاعين الخاص والعام..!

إضافة إلى أن للهيئة صلاحية التفتيش والتحقيق ومراجعة جميع السجلات والملفات والوثائق التي تحتفظ بها الدوائر الرسمية والمناطق الحرة وسجلات الموردين والمصدرين والمديرية العامة للجمارك وإدارة الضرائب وأية جهة حكومية مأذون لها بإصدار التراخيص من أي نوع تسمح بتداول السلع والخدمات، وكذلك للهيئة صلاحيات في المراجعة والبحث والتفتيش في كل ما له علاقة في التواطؤ في طلبات العروض أو المناقصات أو المزايدات في كافة الجهات العامة والخاصة، وذلك بهدف زيادة الإنتاج وضمان إنتاج السلع بأقل تكلفة ممكنة، وتحفيز وتطوير الابتكار والاختراع، وتحسين مستوى المعيشة، ورفع مؤشرات التنافسية على المستويين الداخلي والخارجي، إضافة إلى الحد من عمليات الفساد، وتشجيع الاستثمار من خلال الحد من الشروط التمييزية والتعسف في استخدام السلطة في اتخاذ قرارات تؤثر على المنافسة.

نقطة لصالح الهيئة    

ولتبيان أهمية استقلالية الهيئة سنذكر قيامها عام 2011 بعدد من الدراسات عالية المستوى، ومنها دراسة شكوى قدمت لها من شركة خاصة لتنظيم المعارض بحق المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية، ورفعها إلى مجلس المنافسة الذي يتمتع بصفة قضائية، ويتخذ قراراته باسم الشعب السوري على كل الأنشطة الاقتصادية، وقراراته تقبل الطعن فقط في المحكمة الإدارية العليا، وقد أصدر المجلس القرار الأول في هذه القضية التي أصبحت القضية الأولى للهيئة.

فلو كانت الهيئة تابعة لوزارة الاقتصاد – وهي نفس الجهة التابعة لها مؤسسة المعارض – لما استطاعت اتخاذ أي إجراء بخصوص الشكوى كونها ستتأثر بما تمليه عليها الوزارة من قرارات ستتخذ بحق مؤسسة المعارض، ومن هنا يتبين لنا مدى أهمية الحفاظ على استقلالية الهيئة وعدم تبعيتها لأي جهة وزارية، فلنتصور الآن أن يُقدم لها شكوى بحق السورية للتجارة أو مؤسسة الحبوب أو أية جهة تابعة لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.. فكيف سيكون تعاطيها مع مثل هذه الشكاوى؟!

 hasanla@yahoo.com