الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

غيوم

عبد الكريم النّاعم

بدا وجهه مُلبَّداً بغيوم كثيفة تنمّ عمّا في داخله، فبادره قائلاً: “مالسماواتك اليوم مكفهّرة، لكأنّك تريد أن تسبق فصل الخريف بشيء من مفردات حضوره”؟

أجاب دون أن يفكّ شيئاً من العُقد التي تملأ وجهه وروحه: “أظنّ أنّ مفردة (مكفهرّاً) تبدو أقلّ بكثير ممّا هنا” وأشار إلى صدره، وتابع: “تستطيع أن تقول سوداء، قاتمة، بل هو غضب مشوب بالسواد الغامق”.

قال: “هل هو ممّا لا يُباح به”؟!

أجابه: “ليس بيني وبينك سرّ أخفيه.. أكاد أطقّ”.

قال له شبه مداعب: “طَقّقْنا معك”.

زفرَ زفرةً طويلة وقال: “بدأتُ أسمع أقوالا من الناس لم أكن أسمعها من قبل، ولن أدعك تتساءل، الأزمات المتلاحقة النّاتجة عن الحصار الظالم، وعن الفساد المُتراكم، والمعانيات اليوميّة التي شملت الجميع بشكل ما، لاسيّما مسألة الخبز، والبنزين، والغلاء الذي لا نعرف أين سيقف، والباقي تعرفه أنت، كلّ هذا جعل الناس تتحدّث بمقولات جديدة على الشارع السوري، ثمّة مَن يطرح مسألة (الديمقراطية)! وأنّها قد تشكّل جزءاً من الحلّ، وثمّة مَن يتجرّأ أكثر فيقول: “يا أخي إلى متى نظلّ حاملين هذا السلّم بالعرض، لنمشِ مع التيّار، فأمريكا لن تتركنا ما دمنا على موقفنا من إسرائيل، وهذا حزَّ في نفسي عميقا”، وصمت ليُشعل سيكارته، فالتقط اللحظة منه وقال له: “معك حقّ أن تغضب كلّ هذا الغضب، ودعني أتوقّف عند مفصلين رئيسيّين ذكرتَهما، وهما “الديمقراطية”، و”السّير في الرّكاب”، أعني ركاب الهروَلة.

بالنسبة للديمقراطية هي حجّة لا غير، وكلمة حقّ يُراد بها باطل فاضح، فالسعوديّة ومشيَخات النّفط والعفط لاتعرف شيئا من الديمقراطية، وهي المدلَّلة لدى واشنطن، أعني الدّلال الإعلامي الكاذب، وهم في الحقيقة لا ينظرون إليهم إلاّ نظرة متعالية، فيها الكثير من الإذلال، من شفط أموالهم منهم، إلى معاملتهم معاملة التّابع الذليل حتى وهم يوقّعون على صكوك التطبيع مع “تلّ أبيب”، والقادم أعظم.

هذا وجه، أمّا الوجه الآخر فلنأخذه من لبنان الذي كان الجميع يتغنّى بـ”الإجراءات” الديمقراطية الموجودة فيه، على ما فيها من خروق، وفُتوق، طائفيّة مذهبيّة رُسِّخت عن عمد، وكانوا يقولون عنه إنّه واحة الديمقراطية، فما الذي فعلتْه دول الغرب المؤيّد لـ “إسرائيل” تجاه ما يكابد؟! ها هو لبنان على أبواب خراب لا نتمنّاه له، ليس له مثيل في التشتّت، والقوقعة، ولا أستبعد أن يكون أحد أهدافه غير المعلنة تفجيره من الداخل لإغراق سلاح المقاومة في مستنقع يصعب الخروج منه، فهل شفعت له ديمقراطيته؟!، وأرجو ألاّ تفهم من كلامي أني ضدّ الديمقراطية النظيفة فهي من أنظف الطرق لتمثيل رأي الشرائح الاجتماعيّة، ولم يبتكر الإنسان ما هو أفضل منها حتى الآن.

أمّا عمّا أسميتَه مماشاة التيّار، تعال لننظر إلى أهمّ بلدين وقّعا معاهدات مع “تل أبيب”، وهما مصر والأردن، لننظر في أحوال مصر منذ أنّ وقّعتْ كامب ديفيد حتى الآن هل أنقذت مصر من حجم الفقر المنتشر بين أبنائها؟! هل قدّموا لها من المال ما يساعدها على أن تتخلّص من ربقة ما ترزح تحته معظم الشرائح الاجتماعيّة؟! أين أنهار العسل؟! لقد ظلّت “تل أبيب” صاحبة اليد العليا في واشنطن، وما تكاد تحصل مصر على ما يسدّ بعض تلك الثغرات التي يتّسع خرقها يوماً بعد يوم، وهي البلد المركز، المفتاح، النّموذج، وصاحبة أقوى جيش في الوطن العربي، وانظر إلى الأردن الذي وقّع اتفاقيّة وادي عربة ما الذي جناه؟! هم يريدون أتباعاً يؤمَرون فيطيعون، وليس في حسبانهم إلاّ تفوّق “إسرائيل”، وهو الأمر الذي يتبجح به ترامب، ويضمنه.

أنا مع وجهة النظر القائلة إنّ كلفة المواجهة أقلّ بكثير من كلفة الاستسلام، وهذا كي يحقّق أهدافه لابدّ له من النهوض بالداخل نهوضا يوازي حجم تضحيات الدماء التي أُريقت لحماية هذا البلد والذي هو حجر الزّاوية في بناء المقاومة، لا أن يُترك للسماسرة، والمرتشين، وأثرياء اللحظة الغلط.

aaalnaem@gmail.com