ثقافةصحيفة البعث

قراءة في المجموعة الشعرية “دون عرشكَ والماء”

(الذات – الآخر – الوجود) وما بينها من صِلات تحتاجُ عين البصيرة كي تُرى تلك هي مباحثُ الشاعر رضوان هلال فلاحة المنفصلة ِ حيناً والمتصلة أحياناً في مجموعته الشعرية من فئة قصيدة النثر “دونَ عَرشِكَ والماء” الصادرة عن دار سين للطباعة والنشر. إنها مباحِثٌ يُطيِّفُها شِعرياً ويتتبعها ببوصلة الوجدان والتَبصُّرِ فتراهُ في حيرةٍ من قلبهِ حيناً وفي مُلامسةٍ شغوفةٍ لبواطنِ الكينونةِ وتمظهراتِها السيكولوجية والرؤيويّة حيناً آخر، فتشعرُ أنه ضريرٌ مُغتربٌ في غُرفة الكون يتلمَّسُ معالمَ المكان بأصابع هي سطور أشعارهِ، وتشعر أنه يصنعُ من قصائدهِ مراياه، بحثاً عن صورتهِ الحقيقية وعمّا يُشكلهُ تحتها، وتُفصِحُ عناوينُ قصائده عن هذا البحث الشَغوف “نُشُور، أتربةُ الرؤيا -حُلم- مابعدَ التكوينِ هُيولى- انصهار، أيُّها الإنسان- مَقطعٌ رأسيٌّ للإيهام”.

جاء عنوان المجموعة الشعرية موحياً يُحيلنا إلى ماورد في الموروث عن العلاقة المميزة التي جمعت الملكة بلقيس بالملك سُليمان والتي تتوجت في ذلك الجزء من الحكاية الذي يَحكي كيف دخلت على الملك سُليمان ودنت من عرشهِ وهي تخشى أن يبتلَّ ثوبها لأن الماء كان تحتها. والإحالة إلى تلك الحكاية موفقة جداً كونها حكاية مُكتنزة بالأضداد حيثُ بدأت بالاستطلاع بُغية الحرب وانتهت بالسلام والحُب وبعرشين متجاورين، ولتلك العلاقة خصوصية حيث اشتملت على التوتر والتَوجُس وأيضاً على الحِكمة والمُعجزات ثم الرحلة نحو الآخر ثم ثقافة التواصل حتى حلَّ السلام والوئام محلَّ احتمالات الصراع والصِدام وحافظت كِلتا الشخصيتين على مَلَكيتهما فلم تصبح إحداها تابعةً للأخرى.

وبالنظر إلى الثيمات التي سبق الإشارة إليها، نجد أنها استدعت تشكيلاتٍ مُغايرة على صعيد الصور والاستعارات والتشابيه والكنايات.

أينَعَتْ فراديسُ اللغةِ قصائداً

عطشٌ

وانكسارُ الظّلِّ

على المسافةِ

عينايَ.. لا تكفيان الآن

فالنبضُ في محاجِرِ

أناملي

عطشٌ لِرشْفِ رحيقِ

الحياة

بتضاريسِ وجهِكِ

**********

جيشٌ مِنَ اليعاسيب..

يتسابقونَ لِتُرديهم نحلةٌ واحدةٌ

قتلى..

واحداً.. واحداً

أمّا أنا فأَحيكُ لها.. من الخوفِ النّبيلِ

طوقَ يمام..

أخشى أنْ.. تغرقَ في عَسَلِها يوماً

-“بينَ العَتَمةِ والضوءِ فجرٌ صادقٌ.. يمتحنُ بدايتَكَ والنهاية”

هذا البحث الشَغوف والذي قد يأخذُ خلالهُ الشاعر خطوة ً إلى الوراء نحو الولادة والانبعاث أو خطوةً إلى الأمام فيسبقُ العالم والمادة، ويطوفُ مُنعَتِقاً من كل أثقالها محاولاً التَخفف من لواعجِ البحثِ عن الأنثى، ليَشدهُ البحث في الأنثى عن مُستقرٍّ للروح أو رحلة ٍ للنفس لها ملامحُ مُغايِرة. حيث نلاحظ من عناوين القصائد تنوع مَرامي الكاتب واتساع الحقل الدلالي والتباين في الحالات النفسية والوجدانية فقد تقرأ قصيدة بعنوان “حُلم” لتقرأ لاحقاً قصيدة بعنوان “شُكراً للنّعشِ”  “صفعة”، “صلاة”.. إلخ.

ومن اللافت حضور وتموضع المفردات التي تُعبِّرُ عمّا هو روحي ومعنوي، وجعل ما هو مادي من علاقات جسدية بين الرجل والمرأة وسوى ذلك يبدو مؤسساً على العلاقة الروحية.

كما اشتملت المجموعة الشعرية على قصائد تمحورت حول القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني وحول اللاجئين الفلسطينيين التّواقين إلى التحرير والعودة، ومنها قصيدتي “في رحم الكلمة والمدى” و”حَجرٌ حَجر”.

مِنْ رُكامِنا الألمُ يَغزِلُ لفَجْرِنا الحجر

لاقبرٌ .. لا كَفَن

مِن شظايانا التُرابُ

وَمِنْ دَمِنا المَطر

والحُبّ ينزفُ حدائقاً ومُدُن

والقصيدةُ والوليدةُ والشهيدةُ والبِشارةُ والبدايةُ والنهايةُ

أوابدُ فينا الأثر

موسيقى الله فينا حياةٌ

حَجَرٌ حَجَر.

ولابدَّ من الإشارة ختاماً إلى اتساع الحقل الدلالي لمعظم قصائد المجموعة الشعرية، مما يجعلها في اعتقادي أقرب إلى الشريحة المثقفة منها إلى القارئ العادي.

سامر منصور