ثقافةصحيفة البعث

رنا محمود في مجموعتها “حين ترسمني القصيدة”

“أقرأ سورة فلسطين

رغم الجمر رغم الطين

ندقّ على باب النصر

من الجولان إلى حطين

آمين..”.

هذه المفردات التي تربط بين فلسطين وسورية من قصيدة “عناق الأختين المعذبتين” في المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة رنا محمود “حين ترسمني القصيدة” -الصادرة عن دار الينابيع للشاعر صقر عليشي- والتي ترافقت مع صورة طفل يقف خلف سياج شائك بين فلسطين وسورية، ويضع على رأسه علماً نصفه العلم السوري، ونصفه الآخر العلم الفلسطيني، فقضيتنا واحدة وشعبنا واحد والمقاومة واحدة ضد الكيان الصهيوني، كما ذكرت الشاعرة في حوارها مع “البعث” حول ما تحمله من وراء مفرداتها.

ومن المعروف أن رنا محمود نحاتة ورسامة، أصدرت ثلاث مجموعات سابقة، لكن الملفت أنها في هذه المجموعة التي حفلت بالبعدين الوطني والعاطفي والومضات الوجودية، دمجت بين الرسم والشعر، فكل قصيدة ترافقت مع خطوط  قلم الرصاص بتجسيد هياكل معبّرة عن مضمونها، مثل صورة انكسار وفراق الأحبة في القبور وجوع ورحيل وغيرها، فبدأنا من هنا..

وظّفت نشاطك الفني بالرسم والنحت في معارض عدة، فلماذا ارتأيت دمج الرسم مع الشعر في هذه المجموعة؟.

توجد علاقة وثيقة وحميمة بين الشعر والفن، وأقصد الرسم، تربط بين الحسّ والوعي من أجل خلق الجمال، وأستحضر صوراً من العصور القديمة من الملاحم الشعرية والأساطير التي رافقتها الرسوم البدائية على جدران الكهوف في حضارتنا المتعاقبة التي نفتخر بها، وهذا ما وثقته في نص (جنائني معلقات):

بأي حبر ينقش بيانه دمي

بأي لون يزهو

وعلى مدى كل الحضارات تعلو جنائني

المعلقات

فاعلموا أيها الأغراب

من شرقنا الأبجدية الأولى

نقشت على حجارة أوغاريت وبابل وتشظت

عظمة ببروج الأهرامات

وتبدو العلاقة أوضح بين الرسم والشعر في النص الأول الذي سمّيته الفاتحة، فكان توثيقاً للعلاقة بين الشعر والرسم:

كنهرين يجريان بي حيث المصب

قلبي الذي تلوّنه الدماء وتكتبه القصائد

فأنا لوحة ما مرّ الزمان عليها

وقصيدة لا تتسع لها الخرائط

وسيجد القارئ أن كثيراً من القصائد فيها طابع اللوحة ومفردات الفن التشكيلي، فالشعر والرسم يلتقيان بطريق واحدة تصل إلى الوله في كل الاتجاهات، ويجتمعان في نقطة واحدة هي الخيال، الاختلاف بينهما في طريقة الصناعة، فكلّ الفنون من شعر ونحت ورسم هي رسالة يودّ من خلالها الشاعر أو الفنان إيصالها إلى المتلقي وتتمحور حول الإنسانية بكل معانيها.

تمثلت صوت الأنثى في صور الحب المتعددة، فكيف تجدين واقع الحبّ؟.

الشاعر جزء من الواقع وليس منفصلاً عنه، لذلك يواكب قضايا الفراق والهجرة والرحيل، أما الحب فهو فيض طاغٍ لا يتوقف باعتباره السلاح الأقوى للأنثى والحق المقدس، ومن سمات المرأة الحرة أن تفتخر بحبها وكأنها تقول الأنثى خلقت للحب، وليس أن تبتعد عنه، فالرجل شريكها في الحياة والحب، وجزء منها شريطة النقاء والصدق، وأرى أن المرأة حرة في اختيار توجهاتها بعيداً عن منطق العائلة والأبوية والذكورية، وما يمارس عليها من إرغام في مجتمع ذكوري، فهي كيان مستقل مهما كان توجهها، ومن حقها أن تختار شريك حياتها وتعلن عن رغباتها طالما ليس فيها خدش للمجتمع والمحيط، وفي الوقت ذاته فأنا كتبتُ عن الحب النقي وهذا ليس عيباً، العيب في أن تبيع جسدها في عروض المزاد:

وكشلال غزير أتدفق طهرا

فقلبي وشم عليه

ليعكس نقاء الحبّ

الحب المقدس المقرون بهيبة ملاك

كما عرّفتُ الرجل كيف تحب الأنثى وتعبّر عن موقفها القوي وتقف في مواجهة الرجل الذي يخذلها، ففي نص (صفعة من امرأة حرة):

ربما الصفعة لا تجدي أحياناً

ولا يكفيك شزر العيون.

من حيث الشكل تكثرين من التكرار والتساؤلات واستحضار رموز الآلهة (عشتار وفينوس) والملكات، فما وجهة نظرك بربطها بالمرأة المعاصرة؟.

الشك أحد أركان قصيدة النثر، فالشك والتساؤل ضرورتان لتحفيز القارئ على التفكير مع الشاعر، وعلى إثارة تساؤلات فلسفية ووجودية، أما تكرار مفردة (انظر) في نص أحاجي السؤال:

انظر إلى الوقت وهو يدحرجنا كرات من ألم ويأس

انظر إلى البحار والقفار

فأمتلئ بالأسرار

انظر إلى الطيور والأرانب والسلاحف

تملؤني الغبطة والابتسامات

فأنا مع التكرار في حال كان موظفاً توظيفاً فنياً، وبالتأكيد لستُ مع التكرار الذي لا يؤدي إلى شيء، فكلمة انظر كانت لتحفيز القارئ وفتح حدقة الرؤية لتكون أكثر باتساع نافذة جديدة، أما عن استخدامي رموز الآلهة والملكات فسعياً مني لاستنهاض الأنثى في مواجهة تجريدات الواقع التي تحكم قبضتها في وجه من يسعى لإغفال وجودها.

ما رسالتك من مجموعتك الجديدة؟.

تركت بصمة رنا محمود في عالمها الخاص بعيداً عن أية مقارنة أو صراعات، فأنا أرفض القوالب الجاهزة التقليدية التي لا تشبهني، والسمة التي أعتمد عليها بكتابة قصيدة النثر هي فكرة الموضوع، وقد كتبتُ مقدمة مجموعتي لم أطلب من أية قامة أدبية التقديم، لأنني أكثر من يعلم ما أريد وما هو هدفي، وذكرت في المقدمة “بث الأحاسيس الصادقة وما يتصل بي في هذا العالم دون تجميل هاجسي في الحياة، فصوتي مرسال قلبي”.

ملده شويكاني