ثقافةصحيفة البعث

“فنّ”.. ياسمينة رضا تتناول اختلاف الآراء بحوارات مقتضبة

ملده شويكاني

“المفهوم الفني تيار يعطي الأرجحية إلى الفكرة الفنية على حساب العمل انطلاقاً من مبدأ الفن هو الحياة والحياة هي الفن”، إحدى الحواشي التي تضمنتها مسرحية “فنّ”، بقلم الكاتبة الفرنسية ياسمينة رضا، المهتمة بالفن المعاصر ونقلته إلى خشبة المسرح بأسلوبها ورؤيتها.

وقد ترجم المسرحية الصادرة عن وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب، د. مازن المغربي، وتمكّن مصمّم الكتاب الفنان محمد عبد العزيز من اختزال مجريات المسرحية من خلال لوحة الغلاف التي تضمّنت اللوحة التشكيلية البيضاء وثلاثة أشخاص يمعنون النظر إليها، المحور الأساسي الذي بُنيت عليه المسرحية. وربما يجد القارئ صعوبة بربط الأحداث، ولاسيما أنه يلجأ إلى تخيّل السينوغرافيا والمشهدية المسرحية التي يراها المشاهد على خشبة المسرح، فيكون المخرج جسر تواصل بين النص والمشاهد.

اللغة وألوان الثقافة 

وتتسم المسرحية بلغتها المحمّلة بألوان الثقافة والعلوم، فتتطرق من خلال الحوار إلى السينما والأمسيات وعلم النفس والأعلام “سينيك فيلسوف روماني”، والطب “إلهردانلو مرض وراثي نادر يتسبّب بفرط مرونة الجلد والمفاصل”، والأوضاع الاجتماعية والفروقات الفردية والأمكنة “بوبورغ مركز للنشاطات الثقافية في باريس” و”كاركاسون مدينة ساحلية في جنوب فرنسا” وشروحات بعض المفاهيم “التفكيكية، مفهوم فلسفي استخدمه جاك ديريدا”. والمصطلحات بالحواشي “إنجاز مميز تعبير يطلق على عمل فكري أو أدبي مميز، ويستخدم للتعبير عن قمة أعمال مؤلف ما”، ما أضفى متعة إلى قراءة أحداث المسرحية التي تكشف عبْر قراءة لوحة تشكيلية الخلل الداخلي والصراع الخفيّ بين ثلاثة أصدقاء دامت صداقتهم خمسة عشر عاماً.

ومن جانب آخر، ركز المترجم على وصف المشهد ورسم انفعال الشخصيات قبل المشاهد المفصلية “يمر وقت طويل تتجلّى خلاله كل المشاعر دون التفوه بكلمة”.

المثقفون الجدد

وتعدّ الشخصيات العنصر الأساسي في كلّ مسرحية، وفي مسرحية “فنّ” يدور الحوار بين الشخصيات الثلاث الرئيسية، مارك كما وصفه سيرج شاب ذكي مهندس مدني ينتمي إلى المثقفين الجدد الذين لا يرضون بأن يكونوا في موقف مناهض للحداثة، ويقفون منها موقفاً غير مفهوم “وسيرج وإيفان، إضافة إلى الشخصيات المساندة مثل باولا زوجة مارك، ووالدة إيفان، وخطيبته، وترتبط الشخصيات بالمكان الأساسي المنزل، فتتتالى المشاهد في منازلهم”، شقة سيرج نرى لوحة بيضاء فيها خطوط، موضوعة على الأرض “وشقة إيفان على الحائط لوحة قميئة” و”شقة مارك على الجدار لوحة تصويرية لمنظر طبيعي عبْر نافذة” واللوحة التشكيلية العنصر الأساسي بالديكور، ومنها تنطلق الأحداث بشراء سيرج لوحة تقارب متراً وستين سنتم طولاً ومتراً وعشرين عرضاً، خلفيتها بيضاء وفيها خطوط بيض ناعمة معترضة، غالية الثمن، للفنان أنتريوس وتعود إلى مرحلة السبعينيات.

تحليل وسخرية 

ومن ثم يبدأ الخلاف بين مارك وسيرج لاقتنائه لوحة غير معبّرة بحوارات مقتضبة بين الثلاثة لاتخلو من السخرية والاستهزاء، تدخل بتحليلات مختلفة للوحة من وجهة نظر كلّ واحد منهم حول الفن المعاصر، كما يوضح سيرج حول اهتزاز اللون الواحد تحت الضوء الاصطناعي، ويدافع عن لوحته بأنها خلفية بيضاء ولوحة كاملة بالرمادي، وهناك بعض الأحمر شديد الشحوب، بينما يراها مارك بيضاء، أما إيفان فيراها ليست بيضاء تماماً.

سيرج: لوحة أنتريوس ليست بيضاء؟

إيفان: لا بالتأكيد، إنما أردت القول..

مارك: ألا تجد أن هذه اللوحة بيضاء يا إيفان؟

إيفان: ليس تماماً، لا.

الديناميكية

ويتصاعد الخلاف حول الحداثوية والشكل واللون ونزعة التصوير، ويمتدّ الخلاف ليصل إلى فكرة عدم الانسجام مع العصر، وإلى شرح مفهوم رجل عصره الذي يعني الديناميكية والتطور، ليستغرب سيرج من سرّ توتر العلاقة بينه وبين مارك في الوقت الذي يقف فيه إيفان على الحياد “هل شراء اللوحة هو الذي وتّر علاقتنا”.

مسائل اجتماعية 

وتدخل الكاتبة بخط درامي جديد تتطرق فيه إلى المسائل الاجتماعية وتبعات الطلاق على الأولاد من خلال بطاقة دعوة زفاف إيفان وكاترين وكتابة اسم زوجة الأب، ورفض ذلك من قبل والدة إيفان المطلقة. كما تدخل بتحليل بعض السلوكيات المزعجة للآخرين مثل باولا التي وصفها سيرج بالخشنة “أسلوبها في إبعاد الدخان، إيماءة قد تبدو لك دون دلالة، إيماءة غير مؤذية كما تظن، لكن الأمر مغاير”.

الاختلافات زائلة 

وتأتي ذروة الحبكة في نهاية المسرحية حينما يقرّر سيرج وضع حدّ لخلافه مع مارك بعد زواج إيفان فيفاجئ القارئ بطلبه من مارك الرسم فوق سطح اللوحة

“يقترب مارك من اللوحة…

ينظر إلى سيرج..

ثم يرفع غطاء القلم.

إيفان: لن تقدم على هذا

ينظر مارك إلى سيرج

سيرج: هيا

إيفان: أنتما مجنونان يجب تقييدكما؟”.

فيرسم مارك خطوطاً عرضانية، ثم يرسم متزلجاً يعتمر قبعة، بحركة أنيقة ينظف سيرج اللوحة لتستعيد بياضها الناصع ليختفي رجل الثلج، وتنتهي المسرحية بجملة “تمثل رجلاً يعبر مساحة معينة ويختفي”، لتختزل الهدف من المسرحية بأن الاختلافات زائلة ويبقى الجوهر وتبقى الحقيقة التي تنسحب على كل أمور الحياة.

صدر للكاتبة الفرنسية ياسمينة رضا من أصول إيرانية وروسية ومجرية والحاصلة على وسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس: “فنّ 1994، إله المجزر”.