الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

عن الحلّ 

عبد الكريم النّاعم

في بيت ذلك الشيخ الجليل التقينا على غير موعد، وأنتم تعرفون أنّه لم يعد للناس حديث إلاّ عن الضيق، وغلاء الأسعار، والصعوبة القاسية في تأمين الحاجات الضروريّة، والحزن والكآبة التي تسيطر على الناس، ولا يُستثنى من ذلك إلاّ أثرياء الخراب، وهم كما تعلمون قلّة.

قال الشيخ وهو يصبّ مغليّ البابونج في الكؤوس: “كلّنا يشكو، ولكنّ الغرق في الشكوى يُغيّب بطريقة ما البحث عن الحلّ”.

قال الأوّل: “وما الفائدة من ذلك ما دام ليس ثمّة من يسمع، ولا يردّ”؟!!

قال الثاني: “لا بدّ من الكلام الذي يدور بين المرء ونفسه، إذ لا يمكن لهذه الحالة السلبيّة أن تستمر إلى ما لا نهاية، تلك طبيعة الأحداث”.

قلت: “اسمحوا لي بالمشاركة، ثمّة مَن يركّز، ولاسيّما من معارضة الخارج، على “الديموقراطيّة”، حتى لكأنّها العصا السحريّة”.

هزّ الشيخ رأسه بطريقة توحي بالاستهزاء، وقال: “الديموقراطيّة رغم ضرورتها في المجتمعات التي بلغت حدّاً من الرقيّ الثقافي والاجتماعي، فإنّها تبدو كالفزّاعة في منطقتنا..”.

قاطعه الأوّل: “سيدي هل تريد القول أن لا ضرورة للديموقراطيّة”؟

قال الشيح: “لا، أنا قلتُ إنّها تحتاج إلى متمّمات لتستكمل حضورها، وهي حين تُستخدم كإجراء في المجتمعات الطامحة للخروج من مكبّلاتها، فإنّها لن تعدو أن تكون إجراء شكليّاً، أو محرّكاً لعنعنات سلبيّة، كإيقاظ المذهبيّة، والعشائريّة والعائليّة، وتحريك رواسب راكدة فتطفو..”.

قاطعه الثاني وقال: “كأنّك تقول إنّنا في بلدان ما سُمّي بالعالم الثالث في الأدبيّات الراحلة، لا حاجة لنا بهذا (الإجراء)؟”.

قال الشيخ: “يبدو أنّ ثمة غيوماً تحجب الرؤية، الديموقراطيّة التي يتحدّثون عنها هي التي رسّخوها في الغرب، وهي قد تناسب في إجرائها المجتمعات المشابهة، أمّا في البلدان الطّامحة للنموّ فإنّها مجرّد إجراء، خذ جارنا لبنان كمثال، حيث كمّ الديموقراطيّة راجح كإجراء، بينما هو يهبط حتى السلب من حيث النتيجة، في الغرب رسّخوا هذا الإجراء مقروناً بتوازنات اقتصادية، وثقافية، واجتماعيّة، وحافظوا على بنية النظام الرأسمالي بنسب مختلفة، وفي الرعاية الاجتماعيّة، وتأمين الضروريات، والديموقراطيّة حين لا تترافق مع متمّماتها الأساسية المتعلّقة بشؤون الناس من حيث تأمين الحاجات الأساسية والضروريّة فإنّها تصبح مجرّد (إجراء) لا غير، بل قد تترتّب على ذلك مضاعفات لا تخطر إلاّ في بال النّبيه، المتابع، والمؤهّل للمتابعة”.

قلت: “هل أفهم من ذلك أنْ لا ضرورة لها في بلداننا”؟.

قال: “لم أقصد ذلك، بل أردتُ القول إنّنا بحاجة لديموقراطية نصوغها نحن بما يتناسب مع مجتمعاتنا، وأن نتمسّك بشدّة بتحقيق عدالة اجتماعيّة تمنع تغوّل رأس المال، وأن نصرّ على تأمين مجانيّة الطبابة، والتعليم، وسيادة القانون، والتعدّديّة، وأن تلعب الدولة دورها المهمّ في دعم المواد المتعلّقة بحياة أغلب الشرائح الاجتماعيّة، وأن يكون التطبيق عاصماً من الانتكاسات المحتملة، لأنّنا لسنا وحدنا في الساحة، وأنتم تعلمون أنّهم استقدموا إلى بلادنا أعتى مجرمي العالم، وأقذر ما عرفه التاريخ القريب والبعيد، وما أظنّ أنهم غفلوا عنّا، فنحن تحت مجهر العدو الحاقد”.

قاطعه الأوّل وقال: “ولكنّ ما تدعو إليه مختلف في الاتّجاه والمَقاصد عما هو قائم الآن”.

أجابه: “أنا أقدّم رؤيتي فيما سُئلتُ عنه..”.

aaalnaem@gmail.com