ثقافةصحيفة البعث

الدكتور قصي الأتاسي.. الشعر العربي يفيض بالنزعة الإنسانية

آصف إبراهيم

يتميّز الشعر العربي على امتداد عصوره بنزعة إنسانية طافحة بالنبل والصدق، جعلته يتربّع على ناصية الشعر العالمي، تلك النزعة كانت محطّ اهتمام ودراسة المهتمين والاختصاصيين في مراحل متعدّدة، ومنهم الدكتور قصي الأتاسي الباحث والأديب والمترجم الذي ألقى محاضرة يوم الخميس في قاعة سامي الدروبي بالمركز الثقافي العربي بحمص حملت عنوان “النزعة الإنسانية في الشعر العربي”، تناول فيها شواهد ستة تنتمي إلى عصور متعدّدة بدأها بتعريف هذه النزعة التي يرى فيها ذلك الموقف من الإنسان عبر الزمان والمكان، حيث يعبّر الشاعر من خلالها عن موقفه من كلّ الممارسات والآفات الاجتماعية التي تعيق تطور الحياة الإنسانية، وتشلّ حركته من حروب وفتن واستغلال وجهل وخرافة وغيرها، ويستهل شواهده بقصيدة البحتري من العصر العباسي، ويشير فيها إلى الخصومة الناشبة بين حيين، أو فرعين من قبيلة ربيعة وأدّت إلى نشوب حرب طاحنة أوشكت أن تفني الحيين بسبب عادة الأخذ بالثأر، الآفة التي لم تورث غير الأحقاد والضغائن، يقول:

حمِيَّةُ شعبٍ جاهِلِيٌّ وعِزَّةٌ              كُلَيبِيَّةٌ أعيا الرِّجالَ خُضوعُها
تُقتِّل من وِتر أعزَّ نفوسِها                   عليها بأيدٍ ما تكادُ تُطيعُها
إذا احترَبَتْ يوماً ففاضت دماؤها    تذكَّرتِ القُربى ففاضتْ دُموعُها

يصوّر البحتري هذا الصراع النفسي المرير والقاسي الذي يمور في نفوس المتقاتلين، صراع الانصياع لأوامر القتال، وبين الحسرة والتفجع والندم على ابن العم أو الخال المقتول.

ويقف نزار قباني في قصيدة “خبز وحشيش وقمر” التي نشرها في خمسينيات القرن الماضي، موقف المناهض للجهل والفقر والخرافة والوهم، هذه الآفات التي تعتبر من ألدّ أعداء الإنسانية، وأشدّ خصوم الحضارة والتقدم، فيقول:

عندما يولد في الشرق القمر..
فالسطوح البيض تغفو
تحت أكداس الزهر..
يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر
لملاقاة القمر..
يحملون الخبز.. والحاكي.. إلى رأس الجبال
ومعدات الخدر..
ويبيعون.. ويشترون.. خيال
وصور..
ويموتون إذا عاش القمر.

فالشاعر في هذه القصيدة يؤنّب الناس على تواكلهم واستسلامهم للجهل ويحثهم على العمل وطلب العلم والتسلح بالمعرفة التي لا قوة إلا معها.

وللشاعرة العراقية نازك الملائكة موقف إنساني تجاه المرأة العراقية المسلوبة الإرادة التي راعها ما تعانيه من ظلم وجور وبؤس بسبب سيطرة المجتمع الذكوري والعادات البالية التي تمنع على المرأة حق التعبير عن مشاعرها وإطلاق العنان لعواطفها الجياشة التي ينظر إليها على أنها عارٌ لا يغسله غير الدم.

أمّـاهْ..! وحشرجة ودموع وسوادْ
وانبجس الدم واختلج الجسم المطعونْ
والشعر المتموج عشّش فيه الطينْ
أمـاهْ… ولم يسمعها إلا الجلادْ
وغداً سيجيء الفجر وتصحو الأورادْ
والعشرونَ تنادي والأمل المفتونْ
فتجيب المرجة والأزهارْ
رحلت عنّا غسلاً للعار.

وللطفولة ربيع حياتنا الذي يهزم قبح العالم يتوقف الدكتور الأتاسي مع قصيدة بدوي الجبل التي يقول فيها:

وسيمً من الأطفالِ لولاهُ لم أخفْ         على الشَّيب أنْ أنأى وأنْ أتغرَّبا
تودُّ النُّجوم الزهرُ لو أنَّها دُمى                   ليختارَ منها المُترفات ويلعبَا
وعندِي كنوزٌ من حَنانٍ ورحمةٍ                  نَعيمِي أنْ يغرَى بهنَّ وينهَبا
يجورُ وبعضُ الجَور حلوٌ محبَّبٌ                ولمْ أرَ قبلَ الطفل ظلماً محبَّبا

ويا ربّ من أجلِ الطفولةِ وحدَها           أفِض بركاتِ السِّلم شرقاً ومَغربا
وصُنْ ضحكةَ الأطفالِ يا ربّ إنَّها       إذا غرَّدت في مُوحشِ الرملِ أعشَبا

ولمأساة اغتصاب فلسطين حكاية مع الشعر العربي، حيث يصور عذابات الشعب الفلسطيني ومأساته التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، وصمت الضمير الإنساني أمام هولها، صمتاً مريباً يبارك العدوان على الإنسانية ويشجع على التمادي في انتهاك روحها، وهذا هو الشاعر محمود درويش ينشد أنشودة الإنسان:

عيونِك شوكةٌ في القلبِ
توجعني… وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع.. أُغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ
ويجعل حاضري غدُها.

ويختمُ الأتاسي مع الشاعر اللبناني جوزيف حرب في ديوان “مملكة الخبز والورد”، وفيه يدافع عن الإنسانية في وجه القتلة والطغاة المجرمين أعداء الحياة، ويتفاءل بمستقبل العدل والحب والإخاء فيقول:

ليكن هذا الزمن الآتي.. من غير دماء‏
من غير سلاح وسجون.. من غير أكف حمراء.