مجلة البعث الأسبوعية

القطاع العقاري بين أخذ ورد.. جمود في الحركة الشرائية والعمرانية وأسعار لم توازي بانخفاضها القدرة الشرائية!

البعث الأسبوعية – حسن النابلسي

لا يزال قطاعنا العقاري يبرهن أنه متفرد عن بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى من جهة ما يكتنفه من تناقضات، فرغم أن جلّ المؤشرات المنطقية تدل أنه مقبل على انخفاض حاد بالأسعار نتيجة ما ينتاب سعر الصرف من تذبذبات حادة، إلا أن الرؤية لما سيؤول إليه غير واضحة تماماً، فالمراقب لحركة السوق وحيثياتها يلاحظ أن انعدام النشاط العمراني في مناطق ما، وازدهاره في أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة لحركة البيع والشراء، وكأن حالة من التخبط تجتاح السوق غير المتوازنة بالأساس خاصة من جهة المضاربة وارتفاع الأسعار، نتيجة دخولها من قبل أشباه التجار والشقيعة الذين ساهموا بتمردها وتحليقها خارج المنطق التجاري.

تشير بعض البيانات الرسمية إلى أن القطاع الخاص يستحوذ على الحصة الأكبر من الكعكة العقارية في السوق بنسبة 76 % في حين أن النسبة المتبقية هي مناصفة بين المؤسسة العامة للإسكان والتعاون السكني 12% لكل منهما، وعلى اعتبار أن القطاع الخاص يسعى للربح – وهذا من حقه – بعد أن يقوم بدراسة السوق والعائد الذي يمكن أن يحققه نجد أنه مصدر ارتفاع الأسعار كونه المسيطر الأكبر على السوق، في حين أن المؤسسة تحصل على جزءا بسيطا من الأرباح لا تتعدى النفقات الإدارية، والتعاون السكني لا يضع أية أرباح على التكلفة الحقيقية للمسكن.

لا ينسحب عليه!

لقد أثبت قطاعنا العقاري أن ما ينسحب على بقية القطاعات لا ينسحب عليه، فالسياحة -على سبيل المثال- انكمشت وتراجعت منذ انطلاق شرارة الأزمة معلنة عجزها وانكفائها جانباً، وكذلك الأمر بالنسبة لعملتنا الوطنية الذي تهاوى سعر صرفها أمام العملات الأجنبية، لكن العقار ورغم ما انتابه من هزات سواء تلك المتعلقة بارتفاع أسعار مواد البناء، أم بجمود حركتي البيع والشراء، إلا أن أسعاره لا تزال مرتفعة نسبياً ولم تنحدر لمستوى يوازي القدرة الشرائية لدى طالبي السكن.

حالة عالمية

يؤكد معظم الاقتصاديين أن الركود سيؤدي إلى انخفاض الأسعار وذلك ليس نتيجة ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية طالت تداعياتها جميع القطاعات الاقتصادية، وإنما استناداً إلى الحالة الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية بغض النظر عن أية أحداث سواء في سورية أم في المنطقة أم حتى في أية دولة في العالم، لكن إذا أضفنا عامل التوتر وعدم الاستقرار والعوامل الأجنبية الأخرى محلياً وإقليمياً ودولياً المتمثلة في توابع وتداعيات الأزمة المالية العالمية، وارتفاع أسعار مواد البناء نتيجة الطلب الكبير عليها خلال السنوات الماضية فيؤدي هذا العامل إلى ترسيخ مبدأ أن هناك كساداً وجموداً في الوضع الاقتصادي بشكل عام لذا فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى انخفاض الطلب على كل شيء بدون استثناء نتيجة الحرص والحذر وحب الاكتناز ومنها العقارات والسلع كلها ماعدا الغذائية منها، ما يؤدي إلى فتور الطلب على هذه السلع وعلى الأخص العقارات، وهذا الركود والجمود إذا استمر فإنه بالتأكيد سوف يؤدي بشكل حتمي إلى انخفاض الأسعار.

سوق واعدة

بالمقابل قلل مختصون في المجال العقاري من شأن تأثير الأزمة الاقتصادية الحالية ودورها في خلق أزمة ركود مؤقت للسوق العقاري، مشيرين إلى معاودة السوق نشاطه مرة أخرى في ظل ميزة تتمتع بها السوق وهي ارتفاع الطلب على العقار كوسيلة ادخار لاسيما بالنسبة للمغتربين ممن يرون أن أسعار العقارات منخفضة بالنسبة لهم في حال تقييمها بالقطع الأجنبي، فالشقة السكنية التي كان سعرها عام 2011 بحدود 30 ألف دولار –على سبيل المثال لا الحصر- أضحى ثمنها حوالى 10 آلاف دولار، كما أن استمرار الركود سيمنع المستثمرين العقاريين من استمرار رفع الأسعار في الأشهر المقبلة وذلك لتحريك السوق وإحداث حالة من البيع والشراء، مستبعدين في الوقت نفسه أن تستمر الأزمة طويلاً، باعتبار السوق العقاري في سورية من الأسواق الناشطة والواعدة، وفي هذا يؤكد بعض المتخصصين بالشأن العقاري أن القطاع العقاري السوري له خصوصية معينة غير موجودة في أي قطاع عقاري في العالم، فهو في ظل غياب القنوات الاستثمارية المعروفة في دول العالم (كالبورصة الفاعلة، والمشاريع الاقتصادية خاصة المتوسطة والصغيرة منها) يعتبر وسيلة ائتمانية واستثمارية غير خاسرة جعلت منه ملاذا آمنا لأموال نحو 90% من المواطنين الراغبين بالاستثمار أو الادخار خاصة خلال السنوات الأخيرة، مشيرين إلى أنه لم نسمع قط في تاريخ سورية أن هناك عقار بيع بخسارة فادحة، فهو في أسوء الحالات يحافظ على نوع من الثبات بأسعاره ويتحرك باتجاه الصعود بين الحين والآخر.

تراجع الطلب

وبين معظم أصحاب المكاتب العقارية الذين التقتهم “البعث الأسبوعة” بأن معدل الطلب على العقارات بدأ يتحرك مؤخراً بعد التذبذب الأخير بسعر صرف الليرة، مشيرين إلى أن أسباب تراجع الطلب على العقار في الفترة الماضية تعود إلى التضخم غير المسبوق بالأسعار على مدى العشر سنوات الماضية، وعزوف طالبي السكن الحقيقيين وليس المضاربين عن الشراء خلال هذه الفترة على أمل أن تشهد الأسعار انخفاضاً حقيقياً وليس وهمياً بعد تراجع حدة الطلب ودخول السوق مرحلة جمود نسبي.

خصوصية!

لعل ما يحدث في سوق عقاراتنا يؤكد نظرة بعض العارفين بعلم الاقتصاد المتمثلة بكون العقارات مثلها مثل أي سلعة أخرى، تخضع لآلية العرض والطلب، لكن لها خصوصية معينة، وهي أنها تعتبر في رأس أولويات اهتمام الإنسان وخاصة الشباب، حيث يعتقد تجار العقار أن التضخم الحاصل في أسواقنا لابد وأن ينسحب على العقار في المرحلة القادمة، لتعاود الأسعار إلى الارتفاع من جديد، فمنطق السوق من وجهة نظرهم يؤكد أن موجة الغلاء ستشمل جميع مستلزمات الحياة اليومية من أصغر سلعة إلى أكبر سلعة من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فهذا ليس ارتفاعاً حقيقياً بالأسعار وإنما انخفاضاً بقيمة العملة، فالقيمة الحقيقية لأي سلعة ومن بينها العقارات ثابتة نسبياً، بمعنى أن سعر شقة سكنية صغيرة المساحة في منطقة العفيف كان 5 مليون ليرة سورية في عام 2011 أي 100 ألف دولار، على اعتبار أن سعر صرف الدولار كان وقتها 50 ليرة سورية، في حين أن سعرها اليوم حوالى يقارب الـ400 مليون ليرة أي بما يقارب الـ34 ألف دولار وفق سعر صرف السوق السوداء والبالغ حوالى 12 ألف ليرة، فلو حافظت على سعرها بالليرة السورية خلال الفترة القادمة –في أحسن الأحوال- فهذا يعني انخفاض قيمتها في حال استمر تدهور سعر الصرف، وبالتالي فإن ما يفسر تمسك بعض التجار بالأسعار التي كانت رائجة قبل الأزمة هو التخوف من انخفاض قيمة الليرة.

غير جيدة!

في خضم ضبابية المشهد العقاري تبرز بعض الآراء التي تعتبر أن حركة التبادلات التجارية العقارية غير الجيدة، باتت تقض مضاجع السماسرة الذين ازدادت مخاوفهم من أن يطول مسلسل الجمود الحالي، خاصة أولئك الذين وظفوا ما حصلوه من عمولات خلال السنوات الماضية في السوق العقارية، ما قد يضطرهم لبيع ما بحوزتهم دون تحقيق ما كانوا يطمحون من أرباح، وقد وصل حال بعضهم بالتفكير بتغيير كارهم إن بقيت الأوضاع كما هي عليه، حيث أن بعض المدن والضواحي تعيش حالياً كساداً شديداً بسبب توقف الزبائن عن الشراء انتظاراً لمعرفة توجهات الأسواق وما تسفر عنه الأحداث التي فعلت فعلتها بهذا القطاع، لدرجة أن بعض المكاتب لم تستطع بيع ولا شقة خلال شهر كامل على عكس ما كان يحصل في كل عام، خاصة وأن المعطيات تشير إلى أن السوق لابد أن تتجه إلى التراجع لعدة أسباب من أهمها: قلة السيولة لدى المواطنين و عدد الزبائن الراغبين في شراء العقار، وكذلك رغبة أصحاب العقارات الفارغة التي احتكروا بيعها طمعاً بأسعار باهظة جداً إلا أن الواقع الآن بات صعباً والكل يحتاج السيولة ولاسيما جراء العقوبات المفروضة والأحداث التي أثرت وبشكل حاد على السوق العقاري. ‏

تراجع!

يؤكد معظم أصحاب المكاتب العقارية تراجع حركة البيع والشراء لنسبة انخفضت  لنحو 90% مقارنة منذ عامين، ورغم ذلك لا يزال بعض المالكين خاصة (الشقيعة) متمسكين بالسعر الذي حددوه قبل الدخول في حالة الركود التي تعيشها السوق العقارية، على أمل أن تنتعش الأسعار خلال الفترة القادمة، خاصة وأن خسارتهم ستكون مضاعفة حسب وجهة نظرهم، في ظل موجة الغلاء التي تشهدها الأسواق حالياً.

أخيراً…

يبقى سوقنا العقاري لغزاً محيراً بالفعل استعصى حله على كثير من المحللين وذلك لتمرده خلال عقود تحت راية القطاع الخاص الذي استحوذ وما يزال على النسبة الكبرى من السوق، ما أدى بالنتيجة لفرض قواعده المنسجمة مع مصالحه بالدرجة الأولى، في ظل غياب واضح لتدخل الحكومة وتصويب توجهات السوق ومساراته.