ثقافةصحيفة البعث

فخر هواش: عندما فكرت بالكتابة لم أحدد جنساً أدبياً معيناً

طرطوس- هويدا محمد مصطفى

تكتب الشاعرة فخر هواش بلغة هادئة، لكنها مشحونة بعاطفة عميقة، ليبدو النص الشعري تلك الصرخة المنبعثة من فضاءات الحواس، فهي شاعرة متمكنة، تمتلك مخيلة مبدعة تتجاوز الأبعاد لتنظم حروفها عبر استعارات ودلالات موحية بإيقاع صوتي داخلي لتكتب القصيدة العمودية والتفعيلة، وتبرع في قصيدة النثر عبر رؤية جديدة، صدر لها مجموعة شعرية بعنوان “شبّه لهم”.
هي الدوافع والرغبة الداخلية التي تلحّ على كل إنسان هاوٍ للكتابة، لكي يبلورها بشكل أو بآخر من دون أن يحدّد هدفاً له أو شكلاً لها، ومن خلال نظرتها إلى القصيدة مع تبدلات العمر والزمن تقول هواش: “القصيدة ثابتة في مغزاها وقيمتها، ولا تتغيّر، لكن الإنسان هو المتغيّر تبعاً لواقعه ورؤيته وثقافته، والدليل أنه يوجد هناك قصائد ما تزال تردّد منذ مئات السنين وما تزال تحاكي مشاعره ووعيه الحاضر”.
ومن هنا تعدّ أن الشاعر يحتاج إلى أن يكون شاعراً فقط، لأن طقساً أو زماناً قد يخلقان حالة شعرية لأحدهم وفي الوقت ذاته قد يخلقان نقيضهما الآخر، وحين تولد القصيدة تصف شعورها بأنها حالة تجلٍّ، أي انتقال الفكرة من شعور إلى حالة أدبية مكتوبة فيها من المتعة أكثر ما فيها من الألم والأمر رهين بعمق الكاتب ودرجة وعيه وشعوره وقدرته على التعبير.
نظرةٌ لعيونِ الكلامِ
تجعلُ الوقتَ يَسيرُ
على أصابعهِ الرَّخوةِ،
يُغمِّسُ قدميهِ بزبدَةِ الأرصفةِ
ويفركُ كفَّيه بوهجِ الحروفِ…

وتتابع حديثها عن الأنماط الشعرية التي تكتبها قائلة: “أنا أميل إلى الفلسفة والتأمل والربط ما بين الوجود والنفس البشرية والعلاقة بينهما بالمطلق، لذلك عندما فكرت بالكتابة لم أحدّد جنساً أدبياً معيناً، ووجدت أنّ في قصيدة النثر -إذا صحت تسميتها- مساحة واسعة للتعبير، ومن الممكن أن تستوعب هذه الفلسفة، لكنني كتبت الشعر العمودي والقصة القصيرة والمقال وشرعت في كتابة الرواية”.
عَنْ عِشْقِهِ لا يَنْثَني مَجروحُ
أمّارَةٌ بالعِشْق هَذي الرُّوحُ
إنْ حَاوَلَتْ كِتْمانَهُ النَّفْسُ انبَرى
مِنْها، كَما نُورُ الصَّباحِ، يَلُوحُ
في العَيْنِ يَبْدُو في تَقَلُّبِ طَرْفِها
كالعِطْرِ مِنْ زَهْرٍ شَذاهُ يَفُوحُ

إنها تكتب قصيدة النثر بآفاق جديدة معبّرة عن ذلك بالقول: “مازلت أجد في قصيدة النثر حاضنة مناسبة لحرفي وفكري ووجدت نفسي أكتبها بشكل متمرد نوعاً ما، بمعنى أنني أكتب ما أريد، وبالشكل الذي أريد بانعتاق من أي قيد أو التزام بأي مدرسة وكان هذا رأي بعض الأساتذة النقاد كذلك”.
إلى أين؟؟؟
لمْ تُسْفِرْ زغاريدُ الصَّباحِ
إِلَّا عنْ أنبياءٍ على هيئةِ مطرْ…
تبلِّلُ أكتافَ الغاباتِ على رِهامِ القلوبِ…
والمحبرةُ تَستحضِرُ دفاتِرَها…
كعاشقةِ أعلنتْ إِفْلاسَها
من قداسةِ الطريقِ…
بكمْ يبيعُ العمرُ كؤوسَ الشَّوقِ
إلى النسيانِ؟؟؟

وتعدّ هواش أن للبيئة تأثيرها في كتابة النص، تقول: “بصراحة، لا أملك بيئة داعمة أو حاضنة بل على العكس تماماً، لكن العالم الشعري عندما يكون داخلياً يكون أعمق وأغنى، إذ يصقله الواقع الخارجي ويجعله أكثر عمقاً وثراء، هذا ما توصلت إليه من خلال تجرىتي الشخصية”.
يَرفعني حتى قمةِ العطشِ
ذاكَ النِّداءُ البعيدُ
والمحمولُ بي
أرقبُ صوتكَ
تتسربُ الَّلهفةُ من شقوقِ النُّعاسِ
فألمُّ ارتعاشاتِ الجُّفونِ
وأجمعُ ما تقطَّعَ من حروفِ
الضَّبابِ…

وتتابع القول: “القصيدة التي تحتاج إلى جرأة هي القصيدة التي تعبّر عن واقع ما أو تناهض فكراً ما أو تؤيده، أي التي تحمل قضية ما، أما القصيدة التي تحاكي الشعور الإنساني المطلق فهي لا تحتاج إلى الجرأة، بل إلى القوة والشفافية والصدق والوضوح”.
عودُ حنينٍ واحدٍ
يكفي لتَشتعلَ الغابات
ويكفي كي تورقَ في مجرى
الدَّم بنفسجةٌ
عودُ حنينٍ واحدٍ
وأصابعُ عشر
تكفي كي ترسم بالنَّار
عشرات الفينيق
وتكفي
كي توقظَ بالورقِ النَّائمِ
أوجاعَ قصيدة.

وترى هواش أن الأنثى قصيدة تطرح من خلالها قضاياها، فهي تؤكد أن واقع المرأة بكل أشجانه وتشعباته وتداعياته على الحالة الحياتية المعاشة يفرض نفسه على الكاتبة، ولا يمكنها تحييد نفسها عنه حتى لو حاولت ذلك، وتقول:
أنا لستُ ظلِّي…
كلَّما يَعبرني قمرٌ من حنطةٍ
أحملُ الضَّوء إليكَ
أنا لستُ ناياً على شفةِ الرِّيح
كلَّما صفَرت بهِ وحشةُ التَّغريبِ
امتطى ظهرَ الحنين
وفي دمي تتقافزُ الوعولُ
ترشَ عشبَ التِّيهِ
ترشَ عشبَ التِّيهِ أمنيات…

وتعتقد هواش أن التقنية الذكية مثلها مثل كل التقنيات التي اجتاحت واقعنا منذ عشرات السنين، حيث كانت في البداية محطّ جدل ومدعاة للخوف والتشكيك، لكنها جميعها تتجسّد في كونها سلاحاً ذا حدين ويمكن استثمارها بشكل إيجابي لمن أراد، مضيفةً: “أما أنها قد تؤثر على الواقع الثقافي فأنا لا أعتقد ذلك، لأني أؤمن بأن للكلمة روحاً تلازمها وتميّز الميت من الحيّ”.
وتبيّن هواش: “مجموعاتي الشعرية وتلك القصيدة التي مازالت تسكنني هي عبارة عن ديوان نثري صدر عن الاتحاد الدولي للكتّاب العرب في عمان الأردن، وقدم له الدكتور الشاعر الناقد والكاتب راشد عيسى وقد كانت هذه هبة كبيرة بالنسبة إليّ، والمجموعة تحت عنوان “شبّه لهم”، ومازالت القصيدة تسكنني لأقول:
هنااااكَ…
على مرمى حلمٍ عاثرٍ
تقفُ الحكايةُ مكتوفةَ الأيدي
لا تلويحةً عبرتْ
ولا صلاةُ الغائبينَ أيقظتْ
بواكيرَ القرنفلِ من شَقاوتِها
ولا ابتهالاتُ الوقتِ سرقت
طفولة الرُّوحِ من عمر عزلتها
ولا أبطلتْ وضوءَ الشَّمس
بندى الأقحوان.