(لو).. الخيانة الزوجية بقالب رومانسي دافئ ..

كيف يمكن لعمل فني سينمائي من حوالي ساعتين أو ساعة ونصف، أن يصبح ثلاثين ساعة؟ وكيف يمكن لعمل ينتمي لبيئة مختلفة روحياً وثقافياً أن يتم نقله بنسخة طبق الأصل إلى واقع مختلف عن واقع الفيلم؟…
مسلسل “لو” (إعداد وسيناريو وحوار نادين جابر وبلال شحادات، إخراج  سامر البرقاوي، مقتبس عن الفيلم الشهير “Unfaithful” “الخائن أو الخائنة” إنتاج عام 2002 من بطولة ريتشارد غير وديان لاين وأوليفييه مارتينيز وأفلام وروايات عالمية أخرى، عرضته عدة محطات..)
يحكي “لو” عبر 30 حلقة تلفزيونية قصة عاطفية متعددة المسارات عبر محور أساسي (العشق والخيانة). ليلى مصمّمة الأزياء (نادين نجيم) امرأة متزوجة من غيث مدير مصرف في لبنان (عابد فهد)، تتعرف بالصدفة إلى جاد (يوسف الخال) وهو رسام (في الفيلم يكون موسيقياً) تلتقي معه في الشارع بعد سقوطها على الأرض وإصابة قدمها بجروح، فيعرض عليها المساعدة بأن تذهب معه إلى بيته، ومن هناك تشتعل شرارة الحب بينهما، وترتبط ليلى معه في علاقة عاطفية وجنسية؛ هذه العلاقة (الورطة) تؤثر على الفنان وتفقده التركيز على لوحاته، وعلى عمله في الجامعة كونه محاضراً جامعياً، تعاني ليلى  من فراغ عاطفي نتيجة إهمال الزوج الغارق في مشاغله وعمله، لذلك تقع في الحضن الدافئ للفنان التشكيلي الذي تجد منه الاهتمام والمشاعر المفتقدة عند زوجها، فتنشأ بينهما قصة حب سرية ملتبسة. ورغم قرارها أن تترك عشيقها، ومرورها بلحظات ندم وتأنيب ضمير، يسعى الأخير بكل الوسائل والطرق للاحتفاظ بها. وفي المسلسل خيوط أخرى تواكب الخط الأساسي كخط سارة (ديما بياعة) التي تعاني من عدم القدرة على الإنجاب، فتقع بمشاكل مع زوجها وتحاول رأب الصدع في حياتها الزوجية.
يسجل للمسلسل أنه تعرض بجرأة للخيانة الزوجة كموضوع مهم، لكنه مهمل في الدراما العربية، لأنه بحسب الجهات الرقابية والسلطات السياسية والدينية من المحرمات، وهدف تحريمه الحفاظ كما يدعون على مكارم الأخلاق من خلال إخفاء كل مشاكل المجتمع، وما يعتمل في أعماقه، والتغطية عليها بمنظومة أخلاقية مرتكزها النفاق الاجتماعي والديني والسياسي، في الوقت التي تشهد فيه أغلب ساحات (العربان) جرائم قتل يومية تسمى (جرائم الشرف) .. وبسبب المنظومات السياسية والثقافية والتراثية التي تحكم البلدان العربية،  تُغطى كثير من خفايا المجتمع بطبقة سميكة من الشرف الكاذب، حيث المرأة هي ساحة القتال وجسدها عنوان شرف القبيلة والعشيرة..
كما يسجل للعمل أيضاً غنى المشهدية البصرية من خلال انتقاء متقن لأماكن التصوير (صوّر في لبنان) والديكورات الداخلية المنسجمة مع تنويعات غنية في الإضاءة والموسيقى والمشاهد الخارجية المناسبة في أجواء الشتاء التي تغذي حميمية المشاهد وموضوع العمل الذي يدخل في تفاصيل ودواخل الشخصيات وصراعاتها بين توق الإنسان للحرية وانعتاق الحب من عبودية القوانين والأحوال الشخصية وبين مظلة القيم المجتمعية التي تؤمم المشاعر والأحاسيس لصالح (القبيلة)..
في المقلب الآخر حاول المخرج ألا يجتهد كثيراً في مشهديته، فحافظ على روح اللقطة في النسخة الأصل (فيلم Unfaithful) إن كان في زوايا التصوير أو في تصميم المشهد ومحتوياته من ديكور وإكسسوارات وحركة ممثلين والانطباعات وردات فعل الشخصيات، وحتى في انتقاء أجواء وأمكنة شبيهة قدر الإمكان بأمكنة الأصل (الفيلم) كما أن تحويل ساعة ونصف إلى ثلاثين ساعة أدى إلى إدخال خطوط درامية مختلفة على الخط العام تظهر أنها ملفقة وليست من صميم الحدث لكي يتناسب العمل مع القالب الرمضاني (30) حلقة، فوقع العمل في مطب الثرثرة والتطويل الممل للمشاهد مع الإكثار من مشاهد الصمت، وعمد فريق “لو” لحشد ممثلين من عدة دول عربية، فكنا أمام اختلاف لهجات وتناقضات في بعض الشخصيات أثرت على العمل (بين مصري وسوري ولبناني وتونسي) ورغم دفء الحوارات والإتقان في بناء الشخصيات والتركيز على غناها الروحي الداخلي، لكن لم ينجح فريق عمل (لو) في إخضاع النص- رغم الاجتهاد في السيناريو والإعداد (من قبل الكاتبين) -للبيئة الشرقية التي نعيش فيها، وكل من يشاهد العمل يرى في كل لقطة النمط الغربي في القصة والانفعالات وردات الفعل وحتى في الحفاظ على منطلق القصة (حيث الصدفة تخلق العلاقة إثر سقوط ليلى وجرح رجلها) أي هناك غربة بين العمل وبين المتلقي لكونه يحمل ثقافته الخاصة المنتجة من المجتمع الغربي وحاضنته القيمية) في حين هناك آلاف القصص عن الخيانة الزوجة بصيغتها العربية وحيثياتها وأسلوب تعامل المجتمع معها والقصور العدلية كما أعتقد تمتلئ ردهاتها ومستودعاتها بقصص شتى عن جرائم ومشاكل ناتجة عن الخيانات الزوجية.
والأبرز برأيي في “لو” هو التمثيل، حيث أدى أغلب ممثلي العمل أدوارهم بحرفية عالية من خلال الإمساك بتفاصيل الشخصيات والاجتهاد في الأداء الداخلي النفسي الهادئ، حيث الاعتماد على لغة العين والوجه للتعبير عن أحاسيس الشخصيات وعواطفها انسجاماً مع أفكار ومسار القصة ومستوياتها المركبة والمتعددة، مما خلق إيقاعاً ملفتاً فيه تناغم مدهش بين حركة الممثل وحركة الكاميرا ضمن الكادر وحيز العدسة، ومن نافل القول حقاً الإشارة إلى أغنية الشارة ولحنها التي غنتها بإحساس عالٍ المطربة اللبنانية أليسا، (تأليف وتلحين الفنان مروان خوري)، فكانت بحق مدخلاً مناسباً تماماً للعمل ومكثفاً لروحه وفكره، حيث تعودنا في كثير من الأعمال أن تكون الشارة في واد، والعمل في واد آخر، وكأنها (الشارة) سقط المتاع.
أحمد خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *