ثقافة

الإعلامي عطية عوض: سحر الحالة في “نبض العاصمة” جعلني قريباً من الناس

عندما تسمع صوته على الأثير، لابد وأن تراودك الرغبة برؤية ملامحه، وما إن تلتقيه حتى تشعر بأنه صديقك منذ الأزل، فتكتمل الصورة لصوت جمع أطيافنا حوله، ولمّنا ذات مساء إلى “نبضه”، ومازال يفعل، فأصبح هو والليل توءمين، دون أن ينسى أن يهدي المستمعين حفنة لطف وبضع حب مزهو ومكنونات ذات، حاملاً معه حقائب مملوءة بشكاوى تنتظر الحلول لكل من خاصمه زمانه، حيث يتسلل صوته إلى شرفات العاصمة، فيملؤها لوناً وحلماً ونبضاً، ويحوّل الليل إلى أكثر من شمس وسماء.

على الأثير لا تخون الكلمات الإعلامي عطية عوض، فهو سريع البديهة، لمّاح، ذكي، بهي بعفويته المدروسة، وهو الممتلئ بذاته يضج بما فيه من خيال ورؤى، القَلِق دوماً على ما يقدّمه، والمنتمي للإنسانية، وهو “اللطيف” بكل امتياز، الذي لا يعلن الثورة سوى على نفسه، ولا يريد التفوق سوى عليها، ثم إنه لا ينتظر ورود المديح، بل يود فيما يقدّم أن يفتح نافذة على الدهشة لدى كل من يسمعه، وأن تثمر كلماته أثراً طيباً ومبشراً، فهو كما يصف نفسه: “مشروع”، وبالطبع لم يتعثر عطية بقدره بأن يكون مذيعاً وإعلامياً، بل سار نحو هذا القدر بملء إرادته، وامتطى الطموح، وطار بأحلامه إلى سماء تستحم برغوة الغيوم، وتحولها إلى حقيقة، راكضاً نحو الحلم ومستعداً له، حتى إنه تمرّد على صوته، ولم يقف عند حدوده، بل انتقل من صاحب الصوت الجميل إلى  صاحب الحوار الذكي والأسلوب اللطيف والفكرة الخلاقة، وغدا  بكل جدارة “ماركة مسجلة” تحمل إمضاء “عطية عوض”.

هاجس

من الجيد أن عطية لم ينفذ نيته الأولى بتغيير اسمه الذي لم يكن يحبه في البداية، وأدرك مع الوقت أن “عينينا هي أسامينا”، وأن القصة مرتبطة بروح وشخصية، وليست بأحرف، ثم عاد، فأحب اسمه، ورأى فيه تميزاً واختلافاً، و”عطية “حقيقية من رب العالمين، ولأن سهام الحب لا تصيب فقط من يستمع إليه، فهي تصيب أيضاً عطية نفسه! فنراه متحصناً بالضحكة والتواضع فيما يقول: “أنا بحبني”، ويتابع مفسراً: “بالفعل أنا أحب عطية عوض” بذريعة أن من لا يحب نفسه، لا يمكن أن يكون محبوباً ومحباً، كما أنه لا يبدو من الممكن معرفة متى بدأ هاجس “المذيع” يسكن عطية، فيبدو كأنه هاجسٌ خلق معه، وعلى الرغم من عدم معرفة حتى هو نفسه السبب إلّا أنه يتذكر أنه بدأ بتسجيل برامج خاصة به منذ أن كان عمره لا يتجاوز الثانية عشرة، وكان حينها لا يعلم أن صوته إذاعي، وما يزال طفلاً يملك صوتاً ناعماً، لا يحمل أي هوية أو وعي بما يفعل، إلى أن مضت الأيام، ودخل مجال الإعلام بشكل فعلي منذ حوالي ما يقارب السبع سنوات.

بداية المشوار

لم تكن رحلة عطية بهذه السهولة، فقد تعرّض في بداية مشواره الإعلامي للرفض بحجة أنه “غير مؤهل” وبأنه طفولي، وكان عمره حينها لا يتجاوز الـ 19 ربيعاً، لكنه لم ييأس من رفضه في إذاعة أرابيسك، وعمل بداية بصفة “ريبورتر”، أي مسجل لا أكثر باستخدام جهاز خليوي “هفتان” -كما يصفه هو ضاحكاً- دون أن يكون مرتبطاً بأي مؤسسة إعلامية، إلى أن تم قبوله في الإذاعة نفسها بعد أن لاحظوا إصراره ورغبته في العمل.

“شام إف إم”

ولأن “شام إف إم” وعطية عوض شريكان في النجاح، يروي النجم الشاب تجربته فيها فيقول: منذ قرابة الخمس سنوات، وأنا فرد في هذه المؤسسة الإعلامية كتجربة مختلفة وفريدة بكل ما فيها من مسؤولية كبيرة، وقد تلقيت كل الدعم منها ومن كادرها، وخاصة مدير المحطة الأستاذ سامر يوسف الذي آمن بطموحي، ولو لم أكن شخصاً مجتهداً ولدي شغف لما تمكنت من العمل في هذه المؤسسة الهامة، ولو لم تجدني (شام إف إم) شخصاً يستحق، لما استقبلتني، وخصصت لي برنامجاً هاماً في “وقت الذروة”.

هيام حموي

في حضرة المطر يحل السلام تماماً، لذا تحل السكينة على الحديث عندما تصبح نجمته هي الإعلامية هيام حموي التي يعتز عطية بلقائه وعمله معها، ويصف نفسه بأنه “محظوظ جداً” لأنه يلقي عليها تحية الصباح كل نهار، ويقول: مازلت إلى اليوم أرتبك عندما اضطر للتوجه إليها بأي كلمة أو تحية على الهواء مباشرة، فهي قامة كبيرة وكنز حقيقي، وباختصار “أنا بموت فيها”، ويضيف: للإعلامية هيام فضل كبير علي، وقد استفدت من خبرتها كثيراً، والجميل أنها دعمتني، وآمنت بما أقدّمه، وهذا يحمّلني مسؤولية كبيرة، كما أنني افتخر بأننا كنا شركاء في أكثر من برنامج، وكل من يتابعني سيعلم مدى تأثري بها، فهي متواضعة جداً ولديها من المرونة الكثير.

نبض العاصمة

ولأنه يعلم أن التاريخ يكتب بنبضات القلوب والشعوب جاء برنامجه “نبض العاصمة” بعد سلسلة برامج، وهو أهم برنامج قدّمه-كما يقول- ومازال مستمراً حتى الآن من خلال موسمه الخامس على التوالي، فأوضح قائلاً: “نبض العاصمة” باختصار هو الناس، وهم سبب نجاحه لأنهم اختاروه منبراً لهم ووثقوا به، بالإضافة إلى أنه يُقدَّم على محطة عريقة كـ “شام إف إم”، لافتاً أنه في المواسم الثلاثة الأولى من البرنامج كنت أتولى مهمة الإعداد، والتقديم، والتنفيذ، واختيار الفكرة، والتنسيق مع الضيوف، وعلى الرغم من مساعدة الجميع لي، إلّا أنه كان أمراً متعباً للغاية، ولكن مع استمرارية البرنامج وتطوره ونجاحه، أصبح هناك فريق إعداد كامل، وعلى الرغم من ثقتي بهذا الفريق وقيامه بمهامه على أكمل وجه، إلّا أنني أتابع، وأشارك في الخطوات جميعها، فهذا البرنامج هو مشروعي، ويجب أن يكون لدي فكرة عما سيقدم، ولاسيما أنني لا أتقيد بنص، ولا أقرأ ما هو مكتوب وجاهز مسبقاً.

نبضات

نبض العاصمة بمقدّمه وفريق إعداده (سعد السواس، رنيم خلوف، علي حسن، يزن كلش، فارس الشبطلي) هو نبض الشارع السوري، وفيه حالات مؤثرة وعبرة للناس، ونبضات فنية واجتماعية، وبالطبع بعض المشاكل الخدمية، ويلاقي متابعة كبيرة من المغتربين أيضاً، لأنه وكما يوضح: هو نبض يقرب المسافات بين المغترب والوطن بحيث يعيش الأجواء السورية، ويسمع مشاكلها بعفوية من المواطن نفسه، وليس من المسؤول، واعداً بأنه في القريب سيكون هناك أكثر من نبض مخصص للمغتربين ليتمكنوا من التواصل بشكل أكبر.

سحر الحالة

ويرى عطية أن هناك ما أسماه بـ “السحر” في برنامج “نبض العاصمة”، إذ يقول: “هي حالة تجعلني قريباً من الناس بطريقة غريبة، وما أن يبدأ بث البرنامج، وأبدأ بتلقي الاتصالات حتى أنسى همومي جميعها، وأتأثر إيجابياً بالناس، وأنفعل مع همومهم بصدق، فأنا أتحدث عن وجع مشترك، وهذا التماهي يصل إليهم، لذلك هم يطالبون بأن يتم بث البرنامج في كل أيام الأسبوع، فرغم بثه في ساعات الليل، إلّا أنه موجّه لكل الشرائح ولكل العائلة، وهو منبر أستطيع من خلاله أن أساهم في حل جزء من المشكلة”، ثم يعود عطية ليؤكد أنه لا يملك من خلال برنامجه عصاً سحرية تحل المشاكل، فمهمة الإعلام هو نقل المشكلة للجهة المعنية، أما الحل فهو من مهمة تلك الجهة، منوهاً: “لست المسؤول عن حل المشكلة، بل فقط أقوم بنقلها، لكن إذا توصلنا إلى حل، فهذا يشكل سعادة هائلة بالنسبة لي”.

لطيف جداً

لطيف؟ نعم أظن أنني لطيف جداً، و”سأبقى كذلك”، هكذا يقول عطية عن نفسه، ويوضح: أنا في الحقيقة لا أريد أن  أكون إلّا لطيفاً على الرغم من أن بعض المستمعين يلومونني على لطفي الزائد مع الضيوف، لذا أريد أن أوضح لهم أنني من خلال تربيتي تعلمت الاحترام (احترام الكبير والصغير)، وأنه ليس مطلوباً أن أكون وقحاً لكي أحصل على الجواب المطلوب، فأنا أخاطب العقل لا الغريزة، ولذلك من الممكن أن أكون لطيفاً، وبالوقت نفسه أطرح السؤال الذي يجب أن يُسأل، وهذا ما يعتمده بشكل واضح عطية في الموسم الحالي بعد أن نضجت التجربة، فحتى عندما يتهرب الضيف من الإجابة نجده يكرر السؤال حتى يحصل منه على الجواب بوضوح، ودون أي انفعال، وبكثير من الهدوء.

ماريا ديب

وزادت نبضاتنا نبضة عندما أطلت علينا الإعلامية ماريا ديب في إحدى حلقات الموسم الخامس، وأعادتنا إلى الزمن الجميل، وعن تلك الحلقة يقول عطية: كانت تلك فكرتي، لأنني لم أرد أن يتحول البرنامج إلى خدمي فقط، فأردت تقديم شيء ترفيهي، لكنه محبوب ومحترم، وكانت الفكرة في استضافة الإعلامية ماريا ديب، لافتاً أنه كان في تلك الحلقة مبهوراً أمام صوت ماريا كأي مستمع آخر، وبيّن: “لقد حافظنا في تلك الحلقة على كلاسيكية الحالة نفسها (من.. إلى.. بمناسبة)، وبالفعل حققت الحلقة نجاحاً كبيراً وأعلى نسبة استماع”.

صوت

في البداية لم يكن صوت عطية، قد اكتسب النضج، أو ارتدى حلة “صوت المذيع” الذي هو عليه اليوم، ويقول:”لم أكن استخدم صوتي بطريقة صحيحة، ولكنني مع الوقت تمكنت من ذلك، فغدا طبيعياً، وأقرب إلى الناس”، ثم يعود ليؤكد أن الفكرة ليست بامتلاك صوت إذاعي فقط، بل بمدى تأثير وفعالية الصوت من خلال صاحب الصوت وشخصيته وما يقدمه، ولذلك اليوم لا أرضى بعبارة “صوتك جميل”، بل انتقلت إلى مرحلة “الحوار والأسلوب والأفكار الجميلة”، ويبيّن عطية: الشهرة ليست هدفاً، بل نتيجة، وهدفي هو تقديم مادة قيّمة، وأما الشهرة فهي نتيجة حتمية، كما أنني لست محاطاً بأناس يصفقون لي، وهذا ما يبقي قدميّ على الأرض، فالغرور هو أصعب ما يمكن أن يصيب الإعلامي، لافتاً أنه لا يصف نفسه بالإعلامي، فالمشوار مازال طويلاً، وحذّر من الإصابة بمرض “الأنا” المتفشي بين الإعلاميين، حيث يؤكد قائلاً: أنا أنتمي لمؤسسة، ويجب أن أعلم أن الجمهور هو جمهور المحطة وليس جمهوري، ومن المعيب أن أقول: “شكراً لأنكم تسمعوني”، بل  يجب القول:  “شكراً لأنكم تسمعوننا”.

حلم ورسالة

“إن هذا “الصبي” الذي طمح أن يكون مذيعاً، أصبح بكل بساطة وعفوية ما تمناه يوماً” هذا ما يقوله عطية، ويتابع: اليوم هناك أسباب كثيرة لأكون في المجال الإعلامي، ناهيك عن أن حلمي وطموحي هو أن أكون شخصية مؤثرة، فكم هو جميل أن ألتقي ذات يوم بأحدهم ويخبرني أنني استطعت بما أقدّمه أن أغيّر تفكيره بالحياة إيجابياً، أو أن يتجه في الطريق الصحيح، ودون رسالة لا يمكن طرح أي موضوع أو فكرة، فأنا أرفض أن أقدّم “مجرد ثرثرة”، لذا أستطيع القول: أنا اليوم لدي ما أقوله حقاً، وأحمل رسالة أؤمن بها، وأسعى لتحقيقها.

لوردا فوزي