ثقافة

بشراً… ونبياً

بشرى الحكيم

بعد مرور قرن وأكثر على أهزوجة رافقت الحدث الكبير، فبات وقعها يهز الوجدان “زينوا المرجة والمرجة لينا.. شامنا فرجة وهيي مزينة”.
اليوم وبعد مرور قرن وأكثر على يوم لا ينساه العالم، يوماً مُنحت فيه أعمدة المشانق في دمشق وبيروت الشرف بأن حملت أجساد الشهداء الوطنيين الرافضين لذل المحتل.
اليوم.. واللحظة، وبينما صور الأحداث تنذر البشرية بانحدارها الوشيك إلى دركها الأسفل، تحضر أسئلة كثيرة: ما الذي يجعل الفرد منا بشرياً؟ ما الذي يجعلنا ننتمي إلى الإنسان القابع في دواخلنا؟. هل لأن مشاعر محددة تنتابنا بين الحين والآخر! ألاننا نحب ونكره، نمتلك حب المعرفة والسعي إليها، هل لكوننا نحيا ونموت، نقاتل ونُقاتل، نحارب ونصارع الجوع والفقر والحياة كي نبقى في سجل الأحياء؟.
لعلها الكثير من الأشياء، والقليل منها أيضاً.
يمكن أن تكون بشرياً أيضاً عندما يشتعل برأسك الغضب لصورة طفلة رضيعة أنهى حياتها جنون وجهل أب مجنون. أن تهتز لرؤية كابوس الجوع الذي يدفع صاحبه للبحث عن لقمة في حاوية قمامة، لمشهد ظلم هنا، وضده هناك. وقد تهزك الصورة أولا تفعل أمام سيل الموت الذي اجتاح أيامنا فجعل خبره يمر عادياً.
كل هذا وذاك؛ بينما حكايات الأرواح التي تحج إلي الموت لا تنتهي، هذا أب لشهداء ثلاثة لا يفصل بين الرحيل والرحيل إلا بضعة من أشهر. وهذه أم رفرفت روحها مع أرواح ولديها الاثنين سوية وارتقت إلى السماء، بينما يداها لا تستطيع الوصول إليهم واستراق لمسة أخيرة من أجسادهم الحبيبة، وأخرى بات مسكنها جوار قبور أحبتها من أخ إلى زوج وابن وحيد. هكذا يمكن للبعض أن يتجاوز بشريته فيغدو قديساً.
أما هؤلاء الذين خاطبهم نزار قباني فقال:
لو يُقتَلونَ مثلما قُتلتْ..
لو يعرفونَ أن يموتوا.. مثلما فعلتْ
لو أن مدمني الكلامِ في بلادنا
قد بذلوا نصفَ الذي بذلتْ
لو أنهم من خلفِ طاولاتهمْ
قد خرجوا.. كما خرجتَ أنتْ..
واحترقوا في لهبِ المجدِ، كما احترقتْ
لم يسقطِ المسيحُ مذبوحاً على ترابِ الناصرهْ
ولا استُبيحتْ تغلبٌ
وانكسرَ المناذرهْ
يا أشرفَ القتلى، على أجفاننا أزهرتْ
الخطوةُ الأولى إلى تحريرنا..
أنتَ بها بدأتْ..
يا أيّها الغارقُ في دمائهِ
جميعهم قد كذبوا.. وأنتَ قد صدقتْ
جميعهم قد هُزموا..
ووحدكَ انتصرتْ
هؤلاء الذين تجاوزوا الكلام، إلى الفعل؛ لهم أن يرتقوا إلى أعلى درجات القداسة، حينما أيقنوا وآمنوا أن الدماء التي تجري في عروقهم ليست ملكهم؛ بل هي للأمة تستردها أنّى احتاجتها، ولأجل هذا اليقين يسيرون “قوافل أنبياء” للقاء الموت غير آبهين سوى ببلوغ الانتصار، هاتفين أن؛ لعينيها يرخص هذا القليل.
حبر التاريخ الأصدق هم، القادرون على تغيير الأقدار، بالعمل والصراع الفعلي في سبيل إرساء الحياة الحقة لمجتمعهم، المانحين القيمة والمعنى للوجود؛ لأبناء سورية الهوية والتاريخ، سورية التي منحت العالم أبجديته الأولى ، وزرعت شواطئ متوسطه عمراناً وحضارة، هؤلاء مازالوا؛ ولم يكفّوا عن إعطاء العالم اليوم وكل يوم؛ الدرس الأبلغ لمعنى الانتماء والولاء الأمين لهذا الانتماء، أرواح اغتسلت بدم الشهادة فباتت الافتتاحية الأبهى لنشيد الحياة العزيزة الكريمة، بل أعطته المعنى الأرقى، لأنه يتجاوز الفرد كونه بشراً… فيغدو نبياً.