ثقافة

“حنين الذاكرة”.. أربعة مخرجين شباب

نهاية سعيدة يهدينا إياها مخرج فيلم “حرائق” محمد عبد العزيز، فخولة الخارجة من السجن حديثاً والباحثة عن الأمان والأمومة، تنجح أخيراً بلقاء طفلها حسين بعد مطاردةٍ متعبة مع أخيها الموتور، ووداد التي تعيش مع والدتها في مدجنة تكافحان وتكابدان شح المال وتعسر الأحوال، تتمكن في النهاية من الهروب من زيجة مدبرة لتلتقي حبيبها صفوح ويعودان معاً للعمل في مزرعة الدواجن. أما مروة تلك الأم التي فجعتها الحرب بفقدان أبنائها وجدت أن أفضل طريقة لتلتقيهم هو الموت، فتطوعت لدى إحدى التنظيمات الإرهابية لتنفيذ عملية انتحارية استيقظت أمومتها وإنسانيتها في اللحظات الأخيرة وفجرت حزامها الناسف مع ما تبقى من أوهامها بمن أراد لها الموت، ووقفت هي ناجية بألمها وتقبلها للواقع. ورانيا الفتاة الجميلة الغارقة في الحب والأحلام رغم الكابوس الذي تعيش وسطه وصراعها للحصول على اعترافٍ بالأبوة لجنينها من حبيبها الذي أنكر هذا المولود، وأراد له الموت و الذي يبدو أنه قبله في النهاية، أو ربما تقبلت هي هذا النكران والخذلان فمشت مع الحياة غير باكية أو مهزومة.

قرابة الساعتين وأنت تنتقل مع هؤلاء النسوة بطلات الفيلم وترى صراعهن،  وأحزانهن، وطموحاتهن، تنهار تارة ومن ثم تموت لتعود وتحيا من رمادها كالعنقاء.

إنه فيلم نسوي بامتياز عن نضال النساء في مجتمعنا، عن سعيهن المحموم نحو الحرية والاستقلالية والأمان، أبسط الحقوق التي تبدو لنا مستحيلة في ظل مجتمع غارق بالذكورية، والأنانية، والموت الذي بات مزدوجاً مع حالة الحرب التي تعيشها مدننا، والتي بدورها تزيد من معاناة النساء التي لا يبدو لنا متى ابتدأت أو متى تنتهي!.

الفيلم لا يغوص كثيراً في الحرب التي تعيشها سورية برغم كل ما أشاعه من مظاهر القتل، الذبح، النزوح، التدمير التي بدت واضحة وطاغية على الخلفية العامة والإطار الذي أطّر صراع وقصص أولئك النسوة، ولا أعتقد أن المقصود كان تأثير هذه الحرب على أوضاعهن، فتلك الأوضاع المأساوية ليست طارئة ومافعلته الحرب كان عامل ضغط إضافي لا أخلاقي يضاف إلى مجموعة الشروط والقيود اللا إنسانية التي يجب أن تحاربها وتكسرها النساء في مجتمعاتنا.

والحقيقة أنه لولا أصوات المدافع والانفجارات التي كانت بمثابة الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم والذي كان يذكرنا بأنين المعارك في الخارج، لنسينا حقاً هذه الحرب الدائرة حول الأبطال، فالتركيز كله كان على حروب هؤلاء النسوة الداخلية، واحتراقهن الذاتي، الذي يبدو أقوى وأكثر امتداداً وتاريخيةً من الاحتراق الخارجي الذي يحيط بهن.

كان فيلماً واقعياً لدرجة الغثيان، إنه عصارة الحياة بكل مراراتها، تلك الحياة التي سحقت أحلام وحقوق أولئك النساء وقامت بحرقها.

إن كل هذا الأسى، واليأس، والهروب ليس مادةً سينمائية جاهزة بل هو الواقع.. واقعنا الذي طرحه المخرج في فيلمه، فبدا سوداوياً قاتماً بسواد الواقع حتى مع نهايته التي “بدت سعيدة” ولكنها كانت في الحقيقة أكثر إيلاماً وقسوة من البداية.  ربما لأن نضال هؤلاء النساء وسعيهن لمفاتيح حياتهن كان أصعب وأكثر حزناً وشراسة من أن تستوعبه نهاية سعيدة..، أو ربما لأن ما بدا نهاية سعيدة ليس في الحقيقة سوى بداية لصراعٍ جديد ومقاومة جديدة في انتظارهن تبدو أكثر ضراوة من سابقتها، أو لعله الظن أن تلك النهاية ليست حقيقية، وأني أريد حقاً أن أصدق أن  النساء الحقيقيات المناضلات في الخارج سينتصرن كما انتصرت خولة ووداد ورانيا ومروة، ولكن لا يبدو لي الواقع كريماً ومنصفاً لهن إلى هذه الدرجة.

إنه نصرٌ بطعم الهزيمة، بطعم الخوف، الألم، الخذلان، ربما أراد المخرج شيئاً آخر، لكن المفتاح الذي التقطته لهذا الفيلم كان حزيناً، لعل السبب أني لا أصدق أن في الحياة التي نعيشها هناك انتصارات خيالية، فلا تزال الطريق  لتلك المناضلات تبدو صعبة العبور، ولا تزال الدنيا تفجعهن بتلك الانتصارات المزعومة.

وفي النهاية أعتقد أن المخرج نجح في إثارة تساؤلات ومشاعر داخلنا استمرت طوال مدة الفيلم، ساعد في ذلك أداء الأبطال الواقعي واللقطات الحية من دون رتوش بغض النظر عن النتيجة التي وصلنا إليها.

فيلم”حرائق” من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، إخراج محمد عبد العزيز وبطولة جفرا يونس، رنا ريشة، أماني إبراهيم ونانسي خوري تم افتتاحه في المركز الثقافي في مدينة اللاذقية وسيستمر عرضه لعدة أيام في سينما المركز بحضور مخرج العمل الذي اعتبره عملاً خاصاً والعلاقة معه تحمل ذات الخصوصية، كما أهداه لمخطوفي مدينة اللاذقية.

وقد حاز الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان القاهرة السينمائي، كما حصد مؤخراً ذهبية روتردام للسينما العربية كأفضل عمل متكامل.

بثينة أكرم قاسم