أي حزن يبعثه المطر..!!

الأرانب التي خلفتها جينات القلق لا تشبهني أبداً.. تتقافز الآن حول بؤرة الدماغ بعدما أكلت قشرته الهشة..

رجوتهم أن يفتحوا أبواب القلب والروح في وجه قوس قزح..لكنهم أعطوا للعتمة وأغنيات الموت كلمة السر ففتحوا الباب على مصراعيه واحتلوا ضفاف الذاكرة.. فبت أتذكر الموت وأبكي حين يسقط المطر، وأحاول أن أتدارى عن عيونهم كطفلة لم تتعب يوماً من لعب الغميضة.. وحدها شراشف أمي المنسية على سطح أيامنا تخفي جسدي وحزني المعتق كالنبيذ..

يا الله لماذا تترك ملامح بعضهم حية تخرج من شقوق الذاكرة الميتة كلما شاءت..؟! لماذا لا توزع حراساً لحظر تجوالهم في أزقة الروح المعبدة بالحنين.. لقد أرهقتني طقطقة أقدامهم وهم يمضون ولا يمضون..

يا الله لماذا لا يتراجع الموتى..!! هم بارعون بالقفز من جرح إلى جرح يسقطون كتفاحة خضراء في القلب..

غياب البعض يتحول بلا رحمة لمخلب يضحك وهو يحفر في الداخل عميقاً.. فلا تنفع معهم شواهد الأطباء ولا أختامهم المزيفة ولا أي حجة بأسباب الوفاة، ولا المسك ولا البخور لمحو آثارهم أو طمس لون بصماتهم.. في الحقيقة كلها أسباب تافهة جداً للهروب من نظراتهم.. أكاد أجزم أن من اخترع هذه الأشياء لإثبات غيابهم هو جبان وخائف عظيم يجيد الهروب من مراسم الوداع اللئيمة..

في طريقنا للخروج من دهاليز الأرق نسيء فهم الكثير من الأشياء، لأن لا أدلة جازمة على معاني أسمائها.. الليل هذا المسكين الذي نسيء فهمه كعادتنا في فهم الأمور.. نسيء فهم الأشخاص لأن في اقترابهم وفي ابتعادهم ضعف لنا.. نسيء فهم الموت لأنه فكرة لم نستوعبها بعد.. نسيء فهم الوردة في رغبتها المستميتة في الحياة وأن غايتها الجمال فقط.. وأكثر ما نسيء، نسيء فهم ذواتنا لأننا غير قادرين على مجاراة هذه التحولات الكبيرة حولنا..!

في سن الخامسة أو السادسة من عمري وربما أقل لا أذكر.. كنت طفلة تتحدث عن أشخاص وأحداث غير موجودين داخل جدران بيتنا، أشخاص غير أمي وأبي وأخوتي.. شعرت أمي بالخوف.. والجارات نصحنها بأن تطعمني بيضة عصفور بقشرتها.. دوري أو غراب أو حمامة، أي عصفور لا يهم..

حتى الآن لم أتوقف عن الحديث عن هؤلاء الأشخاص، لكن طعم زغب العصافير ولون ريشها لا يزال عالقاً بحنجرتي وكبرت بصوت هزيل، وأحياناً يذهب صوتي مما جعلني دائماً خارج دائرة الحوار.. خارج السياق، ولم أُحسن الانتماء إلى أي سرب..!

ربما تحولي لم يكن كاملا فلا أجنحة لدي.. ولكن ما فائدة الأجنحة..! ماذا أفعل بها في عالم لازالت تؤرقه شهوة التفاح وتحده القضبان حتى من جهة السماء..!

ورب العصافير والتفاح.. أحاول أن لا أحزن.. أحاول أن أتفنن في طهي الفرح والحب.. أحاول أن أكون أماً أخرى لهذا الكون..

يا أمي أريد فقط أن لا أكره أحداً وأن لا أعرّش على قلب من أحبهم دالية من حزن عتيق.. لهذا أبتعد..

لو تعلمين يا أمي أي حزن يبعثه المطر..!!

لينا أحمد نبيعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *