ثقافة

ابتسامة هوليود وأثرها السلبي على الدراما المحلية

قبل البدء بالموضوع، ولمن لا يعلم ماذا تعني “ابتسامة هوليود” تلك الموضة التجميلية الدارجة الآن، سنستند على رأي طبي في شرحها: (ابتسامة هوليوود هي عبارة عن قشرة خزفية رقيقة جدا وغاية في الدقة توضع فوق السن لتعديل شكله وإعطائه البياض الدائم خلال فترة قياسية جدا، ولا تحتاج لأكثر من جلستين) وهي:(لا تتأثر بالمصبغات والتسوس والعوامل الأخرى إذا تم إتباع تعليمات الطبيب جيدا).وبعد هذا التوضيح الموجز، ندخل في الموضوع.
في الدراما التلفزيونية المحلية، باتت تشكل “الابتسامة الهوليودية” تهديدا حقيقيا لهذه الصناعة، الأمر ليس مبالغة ولا مزحة!. عند مشاهدة بعض المسلسلات المحلية، قد يخطر في بال الجمهور سؤال: لماذا كل الممثلين إلا -من رحم ربي- لديهم أسنان بيضاء هوليودية، فهل ذهبوا إلى نفس الطبيب قبل بدء القصة؟ من المؤكد أنهم ذهبوا قبل تصوير المسلسل، هذا مفهوم لأن بداية تصوير العمل بدأت منذ أشهر، أما القصة فقد تكون عن البيئة الشامية مثلا، أو مسلسل تاريخي، أو حتى عمل درامي يعود إلى سنوات سابقة قريبة، وفي الاحتمالات الثلاثة لم تكن معروفة أو رائجة هذه الابتسامة، أو قد اخترعت، ما سبق يعني أن موضة “ابتسامة هوليود” تهدد بأن لا يقتنع الجمهور أو يندمج مع زمن القصة.
التهديد الثاني يقع ضد تاريخ حدوث القصة نفسها ككل، والتي تقوم على شخصيات، وواحدة من أهم عناصر الشخصية، هي المستوى الطبقي للشخصية، أي طبقة غنية، طبقة متوسطة، طبقة فقيرة، في الدراما المحلية جميع الشخصيات من نفس الطبقة التي تستطيع دفع تكاليف “ابتسامة هوليود”!!، طبعا تذويب الفروق بين الطبقات الاجتماعية، هو هدف نبيل بلا شك، ولكن ليس على طريقة الدراما المحلية، التي تقوم بتذويب هذه الفروق، من خلال هذه “الابتسامة”، فالجميع يظهر بابتسامات مشرقة، إن كان عتالاً يعيش في القرن التاسع عشر، أو “داية” تعيش في مطلع القرن العشرين، لن نصدقهما أنهما من تلك الأزمنة، والأهم أننا لن نصدق أنهما “عتال” و”داية” وهذا ينسف مفهوم الشخصية بنسف مهنتها، وهذا يشبه أن نرى طبيباً مع سيجارة مثبتة بين شفتيه ودخانها يتصاعد ويتمايل ببطء بينما هو واقف يجري عملية قلب مفتوح، فالطبيب لا يدخن ببساطة في غرفة العمليات، مثلما أن “العتال” لا يبتسم ابتسامة هوليودية.
التهديد الثالث، هو التأثير على سير الأحداث!! وعلى سياق الشخصية، فلو افترضنا أن المسلسل عن شخصية فقيرة، ابتسم لها الحظ وأصبحت غنية، فكيف سنشعر بذلك؟، لأن الممثل أو الممثلة في العمل، بأسنان هوليودية قبل وبعد ابتسامة الحظ لهما!.
في المسلسلات المحلية: الجدة الحنونة التي تنسج الصوف، الجندي الذي يحارب منذ أعوام، الفارس الممتطي حصانه، اللفاية، الخضرجي، الحلاق، ميكانيكي السيارات، أيا كان، جميعهم يبتسمون هوليوديا. ولكن هل تعتقدون أن كوارث “الابتسامة الهوليودية” على الدراما المحلية تنتهي عند هذا الحدّ؟. فهي تؤذي المسلسل أيضا كنوع، بمعنى أنها غير مناسبة لمعظم الأنواع كالبيئة، والتاريخي، والعشوائيات.
النوع الوحيد من الدراما التلفزيونية الذي تناسبه الابتسامة الهوليودية، لا يوجد تسمية أو توصيف له، وصعب على التصنيف كما أنه من شبه المستحيل أن نسميه، ولكننا نراه في مسلسلات مثل: “صبايا-صرخة روح-جيران- تشيلو-نص يوم- لو-الهيبة”التي تظهر وكأنها خارج الزمان والواقع، فحتى هذا النوع “العصفوري” –دعونا نسميه هكذا حتى يظهر من يعرف له اسما-ليس بمأمن من شرور “الابتسامة الهوليودية” فهي تلحق به ضرراً كبراً، وذلك أيضا من خلال التأثير على التصوير والإضاءة، فهناك أمام المصور مساحة متوهجة بيضاء، تندمج أحيانا مع الجدار الأبيض القريب، فيبدو فم الممثل فارغا نرى الجدار من خلاله، وهذا البياض الذي فيه جزء من بياض الجدار الخلفي، أي أنه مثقوب، وعندها الحل يكون بسيطا عند مخرجينا، وهو دهن الحائط خلف الممثل بألوان زاهية، وتلك طبعا تكاليف إنتاجية فائضة، تضاف على المسلسل.
التكاليف الإنتاجية لا تقتصر فقط على دهن الجدران، بل لاحقا على عملية تصحيح الألوان، وفي هذا هدر وقت إضافي للتنفيذ، ما يعني كلفة أكثر للعمل، تجيء من حيث لا تحتسب الجهة المنتجة.
إذا كانت الابتسامة في درامانا فيها هذا الكم من المشاكل، فلكم أن تتخيلوا حجم البلاوي الأخرى والتي هي غالبا باللون الأزرق.
تمّام علي بركات