اقتصادصحيفة البعث

نحو مزيد من توفير السيولة النقدية وجذب الاستثمار شـــهادات الإيـــداع بوصلـــة الاقتصـــاد الوطنـــي لتمويـــل المشـــاريع القادمـــة

لاشك أن السياسات المالية والنقدية هي أهم الأدوات التي ترسم ملامح استقرار الاقتصاد، وتوفر من خلال الاستخدام الصحيح لأدواتها الموارد المالية اللازمة للارتقاء به، ولاشك أيضاً أن تعافي الاقتصاد الوطني في معظم نواحيه الإنتاجية والصناعية بعد عودة الأمان والاستقرار من جهة، وتقديم الدعم المطلوب مالياً ومؤسساتياً من جهة أخرى، استوجب البحث عن أفضل الأدوات التي تضمن متابعة تعافيه خاصة في مرحلة إعادة الإعمار لما لها من متطلبات مالية ضخمة؛ لذلك بدأ الحديث عن ضرورة طرح شهادات الإيداع بغية توفير التمويل الملائم لجميع أنواع الاستثمارات القادمة، إذ تعد من إحدى أهم أدوات السياسة النقدية، التي يتم استخدامها لهدفين أساسيين؛ أولهما امتصاص الكتلة النقدية “الفائض”، والثاني توفير كتلة من السيولة لدى المصارف يتم توجيهها لتمويل مشاريع اقتصادية أو صناعية، وتقوم المصارف بطرحها بموجب وثائق محددة القيمة وسعر الفائدة وفترة السداد، فهل تنجح شهادات الإيداع بإيجاد منصة انطلاق لمرحلة إعادة الإعمار..؟

مفاتيح قوة

يبدو أن طرح شهادات الإيداع أو سندات الخزينة بالعملة الوطنية أو الأجنبية، سوف يعطي مفاتيح القوة للسياستين المالية والنقدية، للتدخل وإدارة المال والنقد بحسب توجه الحكومة، وذلك وفقاً لآراء معظم خبراء الاقتصاد الذين أكدوا جدوى تطبيقها، ونتائجها الإيجابية على تحسن الاقتصاد وسعر الصرف وتمويل الاستثمارات المتنوعة؛ إذ بين الدكتور علي كنعان أهميتها من خلال قدرتها على زيادة حجم السيولة المصرفية التي تعدها المصارف للإقراض، وتساعدها على تحقيق إنجاز خطتها، لافتاً إلى أن المصرف المركزي يلجأ في بعض الأحيان لطرح مثل هذه الشهادات عن طريق أحد المصارف التجارية لتسويقها، وتجميع الحصيلة لصالح المركزي، وفي هذه الحالة يتحمل المركزي تكاليف هذه الشهادات، ويتم استخدامها لمعالجة تضخم أو إعادة إقراضها للمصارف الزراعية أو الصناعية وذلك بحسب توجه الحكومة لتنشيط أي من هذه القطاعات. ولفت كنعان خلال حديثه إلى تجربة وزارة المالية في عام 2009 في طرح السندات الحكومية، وقد قامت آنذاك بإجراء عدة إصدارات لبيع هذه السندات كتجربة للاستمرار بهذه النوع من التمويل بهدف إيقاف الاستدانة من البنك المركزي، مبيناً أنها كانت تجربة ناجحة، ولكن الحكومة توقفت عن هذا النوع من التمويل في فترة الأزمة لأسباب عديدة.

فروقات

في كثير من الأحيان يتم الخلط بين شهادات الإيداع وسندات الخزينة لتدني الثقافة المصرفية، ولكن يبدو أن الفارق كبير فيما بينها بحسب ما بينه كنعان، إذ إن سندات الخزينة هي اقتراض الحكومة للمال بموجب سند لمدة محددة، وتطرحها وزارة المالية لتمويل الإنفاق العام “تمويل عجز الموازنة”، وقد توفر للمصرف المركزي أن يبيع هذه السندات بالتعاون مع المصارف التجارية، أما شهادات الإيداع فهي منتج نقدي تستخدمه المصارف التجارية أو المصرف المركزي.

أما الخبير الاقتصادي عامر شهدا فبين أن شهادات الإيداع قريبة من شهادات الاستثمار، ولكنها بنظم وشروط مختلفة تتعلق بالفوائد والمدد الزمنية، مشيراً إلى الفارق الأهم برأيه، وهي إمكانية استخدامها أي – شهادات الإيداع – كضمانات للقروض بنسبة محددة من قيمتها المادية، وتطرق شهدا في حديثه إلى المزايا التي تتمثل باستخدام شهادات الإيداع – في حال لاقت قبولاً من المجتمع-  منها انخفاض العرض على الليرة السورية فتنعكس إيجاباً على القوة الشرائية لها، ويمكن أن تحقق أهداف الحكومة، وذلك من خلال سعر الفائدة التي ستطبق على هذه الشهادات، مؤكداً أنه كلما كان سعر الفائدة أعلى أو الحوافز التي سيدفعها المركزي جيدة، زادت قدرة هذه الشهادات على جذب المودعين لشرائها، وبالتالي ترتفع نسب الودائع وزيادة كتلة السيولة المصرفية؛ مما يؤدي إلى تحرك العجلة الاقتصادية التي ستكون سبباً في جذب الاستثمار، إضافة إلى تداولها في سوق الأوراق المالية، ودورها في تنشيط سوق النقد.

رقابة

واعتبر شهدا أن عودة الحياة الاقتصادية إلى الكثير من القطاعات الإنتاجية والصناعية مترافقة مع عودة الأمان والاستقرار، من أهم الأسباب التي فتحت المجال أمام المركزي للتفكير باستخدام أدوات السياسة النقدية التي تستهدف جمع كتل نقدية لتوظيفها في شتى المطارح التي يلزمها تمويل في مرحلة إعادة الإعمار، إضافة إلى قدرتها على لجم التضخم الذي حدث خلال الأزمة، من خلال انعكاسها على سعر الصرف ورفع القدرة الشرائية لليرة السورية، وخلق سعر توازني لليرة السورية، مؤكداً أن شهادات الإيداع يمكنها أن تؤمن حالة من الرقابة على الكتلة النقدية، إضافة إلى رفع إمكانيات إدارة السيولة وضبط تكاليفها، في حال تم دراسة الفوائد الممنوحة بدقة تجنباً لأية انعكاسات سلبية محتملة على التكلفة ونسب التضخم.

جذب القطع

ويبدو أن أهم ما يجب التفكير فيه هو جذب القطع الأجنبي داخل البلد وخارجه، ويمكن ترجمته بطرح شهادات إيداع بالدولار لقاء فائدة مشجعة بحسب شهدا، مبيناً أن طرح مثل هذه الشهادات لها انعكاسات إيجابية كثيرة على الاقتصاد الوطني تتمثل بقدرتها على جذب الكتلة النقدية من القطع الأجنبي التي تم تهريبها لخارج سورية، وإيداعها في مصارف الدول المجاورة للاستفادة من فوائدها، وبطرح المركزي لها يستطيع أداء دور منافس لتلك المصارف من خلال اعتماد فائدة تشجيعية مدروسة تكون جاذبة لقبول شراء هذه الشهادات من قبل أصحاب رؤوس الأموال، وبالتالي ستتمكن المصارف وفقاً لهذه الخطوة من تمويل المستوردات وبالأخص المواد الأولية، ومستلزمات الزراعة والثروة الحيوانية؛ مما سيؤدي إلى رفع نسب الإنتاج وتوفير فرص عمل، وزيادة القدرة على التصدير، مما سيدعم موارد القطع، وينعكس إيجاباً على الميزان التجاري.

استقرار

وأكد كنعان أن جمع السيولة الدولارية وحصرها بالمركزي له تأثير مباشر على خفض المضاربات التي تشكل سبباً رئيسياً في عدم استقرار سعر الصرف، مبيناً أنه مهما كان حجم المضاربات وعدد المضاربين، فإن قيام المصرف المركزي بهذا الإجراء يؤكد للمضاربين قدرته على اتخاذ إجراءات متعددة الأنواع بهدف تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة الوطنية، وبالتالي يكف المضاربين عن التلاعب أو طرح إشاعات، أو حتى طرح كتلة دولارية توحي أن الطلب على العملة الأجنبية منخفض، وهذا سينعكس على قيمة الليرة السورية، منوهاً لما حصل منذ أيام إذ ارتفعت قيمة الليرة بحدود 18% من دون وجود عوامل اقتصادية، أي إنها عوامل مضاربة فقط، وأضاف على سبيل المثال: أنه إذا كان لدى وزارة المالية من 1 إلى 2 تريليون سندات خزينة، ولدى المركزي 500 مليار دولار، يستطيع المركزي وقف المضاربات تماماً، ودفع الأفراد باتجاه العمل والإنتاج والاستثمار، مؤكداً أنه كان من المجدي أكثر الإقدام على هذه الخطوة منذ السنوات الأولى للأزمة بهدف التدخل وتوجيه الاقتصاد بالاتجاه الصحيح.

فاتن شنان