رأيصحيفة البعث

أردوغان المعزول.. جردة حساب

 

أمام نوابه، يوم أمس، كان أردوغان، المحبط، والمصاب بالخذلان، والمعزول، يتحدّث من قاع حفرته.. فتح النار على الجميع – والمقصود بالطبع حلفاؤه السابقون في الحلف الأطلسي- وعدّدهم واحداً واحداً. صب جام غضبه على واشنطن التي تخلّت عنه – وعن “خصومه وأعدائه”، في الوقت نفسه!! – ونبش في تاريخ فرنسا “التي قتلت الملايين”، وتوجّه بالأسئلة، ولأكثر من مرة، إلى أصدقاء الأمس في “الجامعة العربية”، والغرب، الذين لم يقدّموا للسوريين ما قدّمه هو، وهي الأسئلة ذاتها التي كان أشاح عنها، وتجاهل بالمطلق توجيهها لنفسه، عندما قرّر، قبل أكثر من ثمانية أعوام، طعن سورية في الظهر، والانخراط في الحرب القذرة التي استهدفت محوها عن الخارطة العالمية.
أردوغان الخرف، الذي أرهقته الخيبات المتتالية، وأنهكته الحسابات الخاطئة والرهانات المضللة، صاغ جردة حساب مريرة وقاسية.. استذكر، لأكثر من مرة، وبمرارة شديدة، كيف كان الغرب يغدق “الدعم” على الميليشيات الانفصالية، ويسيّر إليها قوافل الأسلحة والمعدات اللوجستية، دون أن يتذكّر، بالمقابل، أنه عمل – وهؤلاء – على إحداث، ورعاية، الفراغ الأمني الذي أتاح له، طوال سنوات، تسليح المجموعات الإرهابية التكفيرية.. آلاف بل عشرات آلاف الشاحنات وصلت إلى حثالات المرتزقة، على اختلاف تصنيفاتهم، فيما كان يشتري الصمت بالصمت، ويلعب لعبة التواطؤ، طالما أن “مشروعه الخاص” لتفكيك سورية كان يسير بـ “التوازي” – كما كان يقدّر!!. وفي موقف المنتقم والعاجز، أكثر مما هو في موقف الصدق والشفافية، اعترف أخيراً أن وجود قوات التحالف الغربي في شمال سورية وجود غير شرعي، لأنه جاء دون موافقة من الحكومة السورية.
بين فينة وأخرى، كان يطيب  للعجوز العثماني، الذي تحطّمت أنيابه، أن يحاضر في العفاف السياسي، والأخلاق واللياقة الإخوانيين.. يعظ ويقدّم العبر والدروس، معبّراً للغرب – مع ذلك – عن استعداده لأن يكون، مرة أخرى وأخرى، “شرطي مكافحة الدواعش” في المنطقة، ممرراً، بهدوء، رغبته في إقامة ما أسماه “منطقة آمنة” مطهّرة، عرقياً وطائفياً، لا وجود فيها إلا لرعية الخليفة أردوغان، والموالين للسلطة العثمانية الجديدة.. أرض ميعاد للفيلق الإخواني الذي يستقوي ببقايا “جبهة النصرة” وحثالات “تنظيم داعش”، بعد إخضاعهم، بالتأكيد، لعمليات “التغليف” المطلوبة.. حزام بشري يتوزّع على مساحة 4400 كم مربع من الأراضي السورية، وخال من بعض الكنائس والمساجد التي وضعها – أردوغان – علناً في بنك أهداف الجيش التركي وميليشاته العميلة، في محاولة – كما يبدو – لإقامة “قندهار إخوانية” صرفة في الشمال السوري.
لم يتحدّث عن “سيادة الدولة السورية” في تعبير صريح وواضح. هنا، في هذه النقطة، تفتقت عبقريته الإخوانية عن اختلاق مفهوم “السيادة الشعبية” السورية” – حسب الترجمة الفورية لقناة الميادين – التي تعهّد باحترامها وحسب، واعداً بأن يتمّ تسليم الأراضي التي قد تستولي عليها قواته إلى “المسؤولين عنها” (سلطة الكومونات الأخوانية)، في إشارة مبطنة إلى سلطة أمر واقع يعمل على تأسيسها – ودائماً في القراءة التركية الخاصة لأية تفاهمات قد يكون اتفق عليها مع الروس – ودون أن يتوانى عن طلب الدعم من أجل بناء “مشروع المنطقة الآمنة” المراد بناؤها بعد عملية التطهير، والتي يخطط أن يحشد لها دعماً دولياً، وكأنها ملكيته، وكأن له فيها حق التصرّف، مجدداً التأكيد على أنه لن يوقف الغزو، ولن يحاور “مهما فعلتم!”، وأنه لن يقبل بأقل من الاستسلام الكامل والخروج النهائي من “المنطقة الآمنة”.
ضرب الطاغية أردوغان يوم أمس، أمام برلمانه المصفّق، موعداً جديداً مع الديماغوجية السياسية في أبهى تجلياتها تخبّطاً وانحطاطاً وإفلاساً على المستوى الشخصي والأخلاقي، ولعلنا ندرك، يوماً بعد يوم، كيف أن الشرق الأوسط بات مسرحاً مفزعاً للزعماء الحمقى والمهووسين وأصحاب السير الذاتية الملطّخة بكل ما هو مشين ووضيع ومتلّون – على شاكلته – وأن منطقتنا دفعت أثماناً باهظة لصعود مثل هؤلاء إلى مواقع المسؤولية السياسية؛ وهي قد تدفع – ربما – أثماناً جديدة لقاء خيباتهم وفشلهم، لمرحلة قادمة، قد تطول وقد تقصر؛ ولكن كل هذا الألم يعكس، بالمقابل، حقيقة راسخة، وهي أن الشرق الأوسط القديم والكلاسيكي والمريض والمتداعي، شرق أوسط القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين، يتفكّك بعلاقاته وتحالفاته وزعاماته، وأننا لن نكون إلا سعيدين وسورية تشارك بإهالة التراب على قبره!.
بسام هاشم