ثقافةصحيفة البعث

عبد الرزاق جعفر أديب الطفولة وصاحب إرث تتناقله الأجيال

كتب الأديب عبد الرزاق جعفر القصة القصيرة المتميزة للأطفال، فضلاً عن الحكاية والطرفة والتمثيلية والمسلسل، وكل ما يمتعهم ويرقى بملكاتهم الفكرية والوجدانية والأخلاقية، ولم يهمل فعالية من فعالياتهم الفنية والفكرية إلا وشارك فيها حاملاً سنيّ حياته على عاتقه، فترك إرثاً معرفياً غنياً تتناقله الأجيال، وضمن سلسلة أعلام ومبدعون الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب، قدم سراج جراد الأديب عبد الرزاق جعفر في الكتاب الشهري لليافعة.

حياته

ولد د.عبد الرزاق جعفر في مدينة دير الزور درة الفرات إذ اتخذت هذه المدينة الجميلة من نهر الفرات مولداً لها، سار أديبنا من دير الزور إلى دمشق، وطار إلى باريس مدينة النور، فانشغل بصالوناتها الأدبية، وتابع أدب الأطفال، وانتقل من أكاديمية إلى ناد ومكتبة ومطبعة ليغذي روحه وقلبه بعصارة فكر متنور، وحين تدفقت سواقيه أبدع قصصه الإنسانية للكبار، والواعدة بالأمل للصغار، فكانت حبات عقود انتظمت في خيطها باختيار أنيق، ومابرحت من براعة حبكها ووصلها درراً فريدة، حبكت بأسلوب هادئ وديع هدوء ووداعة صاحبها، حيث بساطة اللفظ ووضوح الرؤيا التي تقارب لغة الطفولة، ومن بلاغة اللغة البسيطة حيث الوطن يتحول إلى كتاب وبرتقالة وعصفور وغيمة عطر، تؤنسهم القصة في أسلوب مطبوع بنزعات الحق والخير والجمال، غني بالأحلام المبرعمة والآمال الواعدة، أما شخصيات قصصه وليس أبطاله فهم حمدان وحميد، أمسك بأيديهم وسار بهم وسط مظاهر الحب والفرح، فإذا بقصصه لوحات منمنمة وترنيمات مزخرفة راقصة وحكايات ساحرة آسرة، حفلت بها مخيلة عبد الرزاق جعفر، فزينت كتبه وجعلتها هدايا للأطفال قدمها لهم في أعياد الحب ومواسم النجاح كلمة طيبة كشجرة طيبة.

مع الأدب

كانت نشأة الأديب عبد الرزاق حافلة بالعلم والمعرفة، وقصته مع الأدب هي قصة حب قديم يتجدد دائماً، بدأت منذ الصف الرابع الابتدائي، عندما لاحظ معلمه إسماعيل حسني جودة أسلوبه فشجعه على الاستمرار، كتب أول قصة في الصف العاشر عنوانها “اخرج أيها الشيطان” التي أحدثت ضجة في المدينة، وأرسل قصصه إلى بعض محطات الإذاعة فأذيع بعضها، وأصبح عضواً في رابطة الكتاب السوريين عام 1953، وفي عام 1954 تحولت الرابطة إلى رابطة للكتاب العرب، أتاحت له علاقات واسعة محلية وعربية بل عالمية.

صديق الطفولة

قلما نجد في عالم الأدب أديباً سخّر أدبه وقلمه وحياته للأطفال، مثلما كان د.عبد الرزاق جعفر، فقد تفرغ تفرغاً تاماً لأدب الطفل وترك موروثاً كبيراً تربى عليه أجيال، كتب للأطفال والآباء والمعلمين وتعددت إبداعاته لكنها تتلاقى جميعاً في عشقه لاحتضان الطفولة كلمة ومعنى.

علم وأبدع في تعليمه، وسلك كل طرق تؤدي به إلى جريدة ومجلة وكتاب ومنتدى، وفي سؤال وجه إليه من أحد الصحفيين: لماذا اهتمامكم بأدب الطفل؟ كان جوابه “لا تنس أنني أحمل الدكتوراه في علوم التربية، وأن عملي الميداني ينحصر في خدمة الصغار، لقد وجدت نتيجة لخبرتي الطويلة أن أدب الطفل يمكن أن يخدم الأمة ويحقق أهدافها، وأن القصة يمكن أن تؤدي دوراً أعظم من دور الدرس، وأن راوي الحكايات يستطيع أن يوصل المعلومات التي يريدها إلى الأطفال بأسلوب رائع وممتع، لذلك أنا أنادي أن يكون أطفالنا أسعد منا وأفضل، وأدب الأطفال وسيلة من وسائل كثيرة قادرة على إسعاد أطفالنا، وعلى تنمية خيالهم وكشف الموهوبين منهم”.

الطفولة عند عبد الرزاق هاجس وأمانة، فالطفل هو مستقبل الأمة، والقصة تستحوذ على خيال الأطفال وتوصل أفكاراً ورسائل فعالة، كما أنها تعتبر أدوات تعليمية ممتازة لمعالجة عواطفهم الجياشة ومشاعرهم، وتضع استراتيجيات عملية لديهم، وتقدم مفاهيم معقدة ومشاعر مختلطة.

سعى أديبنا منذ بداياته في الكتابة إلى جمع الحكايات الشعبية، فقد وجد فيها ثروة هائلة وغنى عظيماً، إذ أعاد كتابتها وصياغتها وسعى إلى نشرها لتنتشر على نطاق واسع في العالم العربي. وقد حاول جاهداً إجابة الطفل على طلبه الأبدي: “احكِ لي حكاية” وكانت إجابته من خلال بحث شامل حول الحكاية ومعناها وصفاتها، والراوي الذي يروي الحكاية وصفاته وثقافته، فكان كتابه القيم “الحكاية الساحرة”.

الأديب الناقد

اهتم د.عبد الرزاق بالدراسات والأبحاث النقدية التي تتعلق بأدب الطفل، وكانت تأخذ معظم وقته، فكانت كتاباته تحمل البعد النقدي الذي يتعامل معه والأسس النقدية التي ينطلق منها، والقواعد المرنة والتوجيهات للأدباء عامة في أثناء كتابتهم للأطفال، والفرق بين الكتابة للطفل وللآخرين هو أن الكتابة للطفل فيها صعوبة فلا يستطيع أي إنسان أو أي كاتب أن يتوجه للأطفال، إذ يجب أن يكون ملماً بمبادئ علم النفس العام، وعلم نفس الطفل، وأسس تربيته بالإضافة إلى الثقافة الواسعة التي يستمدها من بقية العلوم والفنون، فضلاً عن أن الأديب يجب أن يستمد منه الموضوعات، ويضيف إليها مما عنده من خيال ومشاعر ومغامرات.

كتبه

صدر كتاب “أدب الأطفال” عن اتحاد الكتاب العرب عام 1979، ويقع في 550 صفحة، ومحور الكتاب أنه لم يكن هناك أدب خاص بالناشئة، ولم يكن هناك مؤلفون يكتبون للأطفال والفتيان، وحدد في كتابه “الطفل والشعر” أغراض الشعر التي تهذب الأخلاق، ويبعد المرء عن ارتكاب الحماقة، والتغني بالأمجاد والكرم، وحسن الشيم والفخر وتقويم اللسان.

وكتاب “الطفل والكتاب” ويشمل الحكايات الشعبية والقصص والروايات والشعر والخيال العلمي والكتب الوثائقية والإنسان الآلة وكواكب الوهم والحيوانات التي تتحدث وتفكر، والرحلات في الزمن والآلات وغيرها.

جمان بركات