أخبارصحيفة البعث

الحرب والحياة (4) كيف تنعكس الحروب على الحياة المدنية ؟؟..

 

د. مهدي دخل الله

زار سورية منذ أشهر وفد قيادي من الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في سلوفاكيا وسط أوروبا (دولة عضو في الناتو)، حيث أبدى دهشته من استقرار الحياة المدنية في المناطق الآمنة في سورية طوال فترة الحرب، معتبراً ذلك تجربة فريدة تستحق الدراسة..
وفعلاً.. من المهم معرفة كيف تعاملت أوروبا في الحروب (الأولى والثانية والحرب اليوغسلافية) مع الحياة المدنية، ومقارنة ذلك مع ما حدث في سورية، فالمنهج المقارن هو الأفضل في تحليل الواقع..
* تعاملت الدولة المحاربة مع حياة مجتمعها المدنية بأن جعلت هذه الحياة تخدم الحرب عبر إجراءات شهيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، إعلان حالة الطوارئ العامة من الدرجة القصوى في البلاد، إنشاء محاكم خاصة لا تلتزم بقوانين العقوبات، منع التجول في أنحاء البلاد من غروب الشمس إلى شروقها، منع السفر خارج البلاد أو الدخول إليها، منع السفر بين المدن والمناطق في الداخل إلا بتصريح حربي خاص، والأهم من هذا كله تعطيل القوانين والدستور وحقوق المواطنين، إضافة إلى فرض اقتصاد الحرب، أي توزيع المواد الغذائية بالبطاقات المقننة، ولا ننسى أن الدول عادة تمنع أي نشاط سياسي أو إعلامي للمعارضة الداخلية..
* الحرب على سورية كانت من حيث توازن القوى الحرب الأصعب على الإطلاق في التاريخ الحديث والمعاصر. على الرغم من ذلك عملت الدولة على أن تسير الحياة على طبيعتها في المناطق الآمنة. لم تمنع تحرك المواطنين ولا سفرهم في الداخل وإلى الخارج، لم تفرض اقتصاد الحرب المقنن، عززت الخدمات العامة والصحية والخدمية والتعليمية، لم توقف الدراسة في الجامعات والمدارس، لم تفرض حالة الطوارئ في أي مكان، “وهذا شيء غريب، لأننا في حالة السلم قبل الحرب كانت حالة الطوارئ مفروضة للأسف”.
في الحقيقة لم تكتفِ الدولة السورية على ترك الحياة تسير على طبيعتها، وإنما أحدثت تطويراً نوعياً في البنية السياسية والدستورية، وهو تطوير بنيوي. أحدثت الدولة باستفتاء شعبي تغييراً كلياً في النظام السياسي عبر تغيير الدستور وتبني دستور (2012).
كذلك وضعت قوانين جديدة أكثر ديمقراطية في مجالات مفتاحية كالإعلام والإدارة المحلية والحياة الحزبية.
تم كذلك إلغاء حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية بما فيها المحاكم الاستثنائية. الاستحقاقات الدستورية استمرت في مواقيتها دون تعطيل (دورتان لمجلس الشعب 2012 و 2016 – ودورة لرئاسة الجمهورية بانتخابات تعددية).
لم تتخذ الدولة أي إجراءات في إطار ما يسمى (اقتصاد الحرب) كانت الأسواق مفتوحة تعج بالخيرات على الرغم من غلاء الأسعار، ولعل ما هو أكثر إدهاشاً أن تعبيد الطرق وبناء المنشآت استمر دون توقف، وقد شاهدت جسوراً ضخمة في بعض المدن بنيت أثناء الحرب، ناهيك عن خدمات النظافة العامة وغيرها..
إنها حسنات الدولة القوية والمجتمع المتماسك، ولقد نجح هذا البناء الذي نبنيه منذ عقود في أصعب الامتحانات وأكثرها تعقيداً. هذا النجاح من أكثر ظواهر الحرب أهمية، وهو يتطلب انطلاقة جديدة نحو المستقبل..
هذا كله لا يلغي وجود صعوبات وظواهر سلبية فردية أو مؤسسية.. إنها الحياة!…
mahdidakhlala@gmail.com