الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

دُهْدُرَّيْــــن

د. نضال الصالح

في المستقصى من أمثال العرب للزمخشري قولهم: دُهدُرَّيْن سعدُ القيْن، فقول الزمخشري نفسه: الدُهدُر، والدُهدُن: الباطل. وأصله أنّ القَيْن اسم شخص كان يُضْربُ بِهِ الْمثل في الْكَذِب. ثمَّ إنّ قيناً زعمَ أنّ سعداً اسْمه، فدُعي به زَمَاناً، ثمَّ تبيّن كذب دعواه، فَقيل له ذلك. أي جمعتَ باطلين يا سعد القَيْن.

وفي مجمع الأمثال للميداني ما يزيد على ستة عشر مثلاً يبدأ بأفعل التفضيل أكذبُ، ومن تلك الأمثال: أكذبُ من نائحة، وأكذبُ من مسيلمة، وأكذبُ من أُخيذ، وأكذبُ من الريح. والسمة نفسُها، أي الكثرة فيما يعني الحديث عن الكذب، تتجلّى فيما سُمّي من المدوّنات القديمة نقداً أدبياً، ومن ذلك اختلاف كتّاب تلك المدوّنات حول أكذب بيت في الشعر العربيّ، أهو لأعشى قيس أم المهلهل أم النمر بن تولب.

ما سبقَ تعريفٌ موجزٌ بما حفلت المدوّنات العربية القديمة وحدها به ممّا يعني الكذب، فكيف لو شاء المرء البحث في المنجز الثقافي للأمم والشعوب والمجتمعات؟ ما مِن ريب في أنّه سيحتاج إلى مجلدات، لا لأنّ الكذب مشترك إنسانيّ شأن كثير من المشتركات المضادة لقيم الحقّ والخير والجمال، التي أخرجت البشرية من فردوس الإنسان إلى جحيم الغاب، فحسب، بل، أيضاً، لأنّه، كما يؤكّد معظم علماء النفس، نزوع فطريّ، رغبةً أحياناً ورهبةً أحياناً أخرى. وما سبق مدخلٌ موجز أيضاً إلى ما يُوصف به الأوّل من نيسان، أبريل، من كلّ عام، عيد الكذب، أو كذبة نيسان التي لا يتردّد كثير من الناس في ارتكاب إثمها، بل آثامها، ظناً منهم أنهم يمارسون طقساً من طقوس التظارف أو الدعابة أو خفّة الظلّ.

لِمَ عيدٌ للكذب؟ ولِم لمْ يبتكر الإنسان أعياداً للقيم الجليلة والنبيلة: الصدق والوفاء والعطاء والمحبة والأمانة والاستقامة والنزاهة و..؟ أفما يكفي البشرية ما ترتطم به كلّ يوم من أكاذيب حتى ليخيّل للمرء أنّ كوكب الأرض غائص حتى ذروة رأسه في ثقافة الكذب؟ قوى كبرى تكذب لتسوّغ احتلالاتها لغير دولة، أو لغير جزء من غير دولة، ولنهبها خيرات الشعوب وثرواتها، ومسؤولون يتمثلون في خطاباتهم وأقوالهم وأفعالهم مقولة غوبلز، وزير الدعاية في حكومة هتلر: اكذبْ ثمّ اكذبْ ثمّ اكذب حتى يصدّقك الناس، وربيع عربي كَذِب، وكتّابٌ يصدّعون الرؤوس بأحاديث وكتابات عن الصدق ولا يثنيهم عن الكذب شيء، و…

وبعد، ففي محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني أنّ رجلاً قال للشاعر رؤبة بن العجاج الذي كان مشهوراً بالكذب: إنْ حدّثتني بحديثٍ لم أصدقك عليه، فلكَ عندي جارية. فقال رؤبة: أبِقَ (هربَ) لي غلامٌ يوماً، فاشتريت بطيخة فلما قطعتُها وجدته فيها. فقال الرجلُ: قد علمتُ. فتابع رؤبة: دبَر (مرضَ) لي فرسٌ، فعالجتُه بقشور الرمّان، فنبتَ على ظهره شجرة رمّان تثمرُ كلّ سنة. فقال الرجلُ: قد علمتُ. فقال: ولمّا ماتَ أبوك كان لي عليه ألف دينار، فقال الرجلُ: كذبتَ يا ابن الفاعلة.

وبعد أيضاً، فما أبهى ما قالت العرب: ليس لكذوب مروءة!