محليات

فلتان الأسعار يرفع حرارة المستهلك.. والتجار أساس “وباء الغلاء”!

لم يكتف التجار باستغلال الإجراءات الاحترازية، في مواجهة وباء كورونا، لرفع أسعار سلعهم، إذ شهدت الأيام الأولى من شهر رمضان غلاءً جنونياً للمواد الغذائية، وخاصة الخضار والفواكه، رغم كل التصريحات والجولات “الإعلامية” والمتلفزة لدوريات “حماية المستهلك”.

ويعتبر مواطنون أن جولات دوريات الرقابة  في الأسواق برفقة الكاميرات، وتسجيل الضبوط والإغلاق للمحال المخالفة، ليست سوى مسرحيات للضحك على لحى المستهلكين الذين ملوا الكلام والتأكيدات والوعود، وخاصة أنهم يصطدمون بتجار لا يرحمون في أيام الرحمة، متسائلين عن دور جمعية حماية المستهلك ومؤسسات التدخل الإيجابي وأصحاب المبادرات وغرف التجارة التي لم نسمع لها صوتاً هذه الأيام، لاسيما أنها كانت في كل عام من بداية شهر رمضان تهيب وتأمل من التجار تخفيض الأسعار، من خلال كتب توزع على وسائل الإعلام، إضافة إلى اجتماعات دورية من المعنيين في وزارة “حماية المستهلك” والمحافظات، لمناقشة واقع الأسواق وتقديم الحلول لتخفيض الأسعار وتوفير المواد في صالات السورية للتجارة بأسعار منافسة.

واقع يتحدث

وفي متابعة “البعث” للأسواق في دمشق وريفها، أكد مواطنون أن الأسعار تحلق في فضاء بعيد كل البعد عن الاجتماعات ولقاءات وتصريحات المسؤولين، فالواقع يحكي عن ارتفاع غير مسبوق في الأسعار ومزاجية التجار والبائعين، مشيرين إلى أن بعض أصحاب المحال التجارية يعوضون أيام الإغلاق الاحترازي من جيب المواطن ضاربين عرض الحائط بالنشرات التسعيرية والضبوط التموينية، خاصة أن ضريبتها سيدفعها المستهلك حسب كلام التجار.

ولم يتردد أصحاب محال بيع المفرق برمي الكرة في ملعب المنتجين وتجار الجملة كونهم يضعون أسعاراً مرتفعة، ما يضطر بائع المفرق لرفع الأسعار، علماً أن دوريات الرقابة التموينية لا تجد ضالتها إلا في الصغار في وقت يصعب عليها ملاحقة المنتجين الكبار والمعامل والشركات، وذلك حسب تأكيدات بائعي المفرق والمحال الصغيرة.

ثقافة ترشيد

ولفت بائعون إلى انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين في ظل هذا الغلاء، ما أدى لتدني الإقبال على شراء المواد الغذائية، إلا بالحدود الدنيا، وتفعيل ثقافة الترشيد عند المستهلك الذي اكتفى بشراء الحاجة الضرورية وبكميات قليلة على غير العادة.

وما كان مستغرباً الدور السلبي والإحباطي للموزعين، حيث كنا شهود عيان على نشر شائعة ارتفاع الأسعار في الأيام القليلة القادمة أثناء توزيع منتجاتهم على المحال التجارية، ليقنعوا بائعي المفرق بشراء كميات كبيرة وتقبل الأسعار الحالية بصدر رحب، لاسيما أنهم يظهرون أنفسهم أمام أصحاب المحال بالعرافين بما يجري في أورقة مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك، طالبين من الباعة رفع أسعارهم بزيادة كبيرة كون المواد في تصاعد يومي، حسب تأكيدات الموزعين والمنتجين.

وطالب بائعو المفرق بملاحقة المنتج قبل بائع المفرق، وفي حال تم ضبط أسعار المنتج، سينضبط ويلتزم البائعون، إضافة إلى أن أغلب المنتجين لا يعطون فواتير، ليهربوا من المحاسبة، وتقع المحال الصغيرة في حيرة تنزيل المواد أو رفضها وتكون وحدها في مرمى دوريات الرقابة.

فجوة كبيرة 

ويوضح خبراء اقتصاديون أن هناك  فجوة كبيرة بين القدرة  الشرائية والمستوى العام للأسعار الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، حيث  أن التجار والسماسرة لا يترددون في رفع الأسعار إزاء أي تغيير يحصل وبصورة ابتزازية، في ظل غياب القرارات الرادعة والصارمة من وزارة “حماية المستهلك”  وعدم قيامها بدورها الحقيقي، وخاصة مواجهة الاحتكار مع التدخل الايجابي في الأسواق وتشديد الرقابة على  الأسواق.

وأعتبر  الخبير الاقتصادي وعضو مجلس محافظة دمشق يوسف قصيباتي  أن الجولات الميدانية لدوريات حماية المستهلك، والضبوط التموينية  والتدخلات الإيجابية للوزارة في الأسواق، لم تحقق هدف خفض الأسعار التي بقيت فوق طاقة المواطن، مبيناً أن  أسعار البندورة تتجاوز ٩٠٠ ل. س والبطاطا ٦٠٠، والخيار ٤٠٠، والفول البلدي ٢٥٠، وسعر صحن البيض ٢٥٠٠، والفروج يباع كيلو الشرحات ٢٤٠٠.

وتساءل قصيباتي:  ماذا يفعل المواطن بين  الحجر المنزلي حرصاً على سلامته وارتفاع الأسعار وقلة ذات اليد؟ لافتاً إلى ضرورة تفعيل التدخل الإيجابي في صالات السورية للتجارة وتوفير المواد بأسعار منخفضة تنافس الأسواق حسب النشرات التسعيرية للمؤسسة وتخفيف الأعباء على المواطن.

مثال “الفتوش” 

وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي في أول يوم من الشهر مثالاً عن غلاء الأسعار وذلك بطرق تهكمية  حول كلفة  طبق “الفتوش” الذي وصل إلى حدود 5 آلاف ليرة.

ويعتبر متابعون  أن زيادة الطلب وقلة العرض أفسح المجال لبعض ضعاف النفوس  لاستغلال هذا الشهر بزيادة على الأسعار أو التلاعب والغش والتدليس، ما يتطلب وضع آليات وخطط ناجعة تلجم تجار الأزمات والمحتكرين، واستنفار كامل كوادر الوزارة في جميع المديريات للتخفيف والحد من ارتفاع الأسعار، واتخاذ إجراءات إضافية من الجهات الرقابية خاصة ما يتعلق بالمواد الغذائية، علماً أن “حماية المستهلك” تحركت منذ بداية القرار الحكومي بالإجراءات الاحترازية، وذلك بتوجيه مديرياتها في المحافظات لتشديد الرقابة على الأسواق، حسب تأكيدات مدير حماية المستهلك في الوزارة  علي الخطيب الذي لم يخف أحقية طروحات وجود غلاء، لكن هناك من يضخم الموضوع، وخاصة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال وضع أسعار وأخبار بعيدة عن الصحة والمصداقية.

دوريات مستنفرة

وعزا الخطيب غلاء بعض أصناف المواد الغذائية ومنها الخضار نتيجة قلة العرض في الأسواق كونها ليست في موسمها، متوقعاً انخفاض أسعار أكثر من نوع للخضار والمواد الغذائية خلال الأيام القليلة القادمة.

وبدوره بين  مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق لؤي السالم أن أغلب الضبوط التموينية في الآونة الأخيرة تركزت على المنتجين والمعامل وبائعي الجملة، حيث تقوم دوريات الرقابة بمتابعة الفواتير والتدقيق بالأسعار، مشدداً على ضرورة تعاون بائعي المفرق مع دوريات الرقابة وتقديم فواتير وتصريح كامل عن السعر والتفاصيل مما سيعفيهم من المخالفة في حال التصريح عن المنتج.

على الورق !

ومع التدخل الإيجابي لمؤسسة السورية للتجارة والعرض والاستعراض لنشرات الأسعار والتنافسية، إلا أن مواد كثيرة غير موجودة في الصالات، وإن وجدت تكون بجودة أقل، حيث يأمل المواطن ألا تكون المواد على الورق والنشرات التسعيرية فقط، حيث يتغنى المعنيون بدور صالات “السورية للتجارة” لكن المكتوب يختلف عن الموجود.

وأخيراً يبقى الأمل بنجاح وزارة “حماية المستهلك ” في القيام بالعمل المنوط بها وضبط الأسواق وتأمين المواد بأسعار مقبولة وتشديد الرقابة الحقيقية، لا الإعلامية، والتغني بعدد الضبوط والمخالفات التي “لاتسمن ولا تغني عن جوع “، فالأسواق لا تضبط بالتمني والرجاء، والموضوع بحاجة إلى حزم أشد وإجراءات رادعة أقوى.

علي حسون