“يوماً ما”.. كساندرا على الطريقة المحلية

يبدو أن قصة كساندرا التي شاهدها الجمهور السوري منذ ربع قرن تقريباً، كمسلسل فنزويلي مدبلج، تركت أثرها الكبير في دواخل الكاتب فهد مرعي الذي قام بتأليف مسلسل “يوماً ما”، إخراج عمار تميم والذي دخل الموسم الرمضاني هذا العام، والعمل يُعرض على عدة قنوات من بينها قناة “سورية دراما”، ويضمّ العديد من نجوم الدراما السورية (زهير رمضان، جيني أسبر، أمانة والي، جوان الخضر، عبير شمس الدين، أمية ملص، وغيرهم)، وبعض الضيوف من الممثلين العرب، منهم الممثل الإماراتي حبيب غلوم، والممثل العراقي ستار خضير.
يحكي المسلسل قصة ماريا الطفلة التي هربت من البيت بعد أن هاجمه عدة مجرمين بقصد الضغط على العقيد مضر وتهديده بقتل عائلته، لإخراج أحد المطلوبين من السجن. وخلال الهجوم الذي ينتهي بإطلاق النار على العقيد مضر، تهرب الفتاة من البيت وتجري لتجد الغجرية (أدت دورها الفنانة أمانة والي) تنتظر على أحد الطرق سيارة تقلها. تأوي الفتاة إليها وتأخذها لتربى عندها بين الغجر بعد أن نزلت في قلبها منزلاً طيباً، خصوصاً وأنها فقدت ابنتها، لتجد في الفتاة تعويضاً عن فقدها الكبير.
لا يمكن بالتأكيد أن تكون جميع الأعمال الدرامية توعوية وحمالة قيم ومبادئ، إذ يكفي أن تكون ممتعة للمتفرج وهذا تحقيقه وحده ليس بالأمر اليسير، لكن على هذه الفرجة – لتكون متعوية – أن تحقق على الأقل أحد أهم الشروط الواجب توفرها بها، وهي احترام عقل المشاهد ضمن النوع الذي تقدمه على الأقل.
وهذا مثلاً ما لم يفعله “يوماً ما” ومن الحلقة الأولى، فالبدايات الصحيحة تفضي لنهايات صحيحة، والعكس صحيح.
تصل رسالة للعقيد مضر وهو في مكتبه، مفادها أنه إن لم يقم بإطلاق أحد السجناء فإنه سوف يخسر عائلته. مساء يصل العقيد منزله، ليجد عدة أشخاص يحملون أسلحة، أحدهم يصوب السلاح إلى رهام زوجته (أدت دورها الممثلة عبير شمس الدين)، ويطلب إليه أن يقوم بالإفراج عن المطلوب، لكن العقيد يخبرهم أنه لا صلاحيات لديه لذلك، لكنه سوف يقوم بمساعدتهم وذلك بالكشف لهم عن زمان ومكان نقل المطلوب إلى جهة أخرى، وقبل أن يفعل يقوم العقيد بحركة غير واضحة، يظن المشاهد دون أن يرى أنه ربما حاول سحب سلاحه، وحينها يُطلق عليه النار.. خلال الأحداث الدائرة تغفو ابنتاه في غرفتهما، وبعد سماع صوت الرصاص تقوم إحداهما (ماريا) بالهروب من المنزل عن طريق الشرفة.. كل هذا يجري بأداء بارد، لا يمكن إلا ملاحظة تراخيه في الوقت الذي يتطلب فيه طابع الأكشن الذي تدور الأحداث تحت وطأته أداء منسجماً وطبيعة ما يجري من أحداث تصعيدية خطيرة، فهنا بداية العمل التي سوف تحمل المشاهد إما إلى المتابعة أو إخراج العمل من قائمة المشاهدات للأعمال الدرامية المتلفزة التي يكتظ بها الموسم الدرامي الرمضاني وبمروحة خيارات واسعة. وهنا بدأت السقطات تتقاطر من تلك المشاهد المتتالية، والتي كان بعضها مجانياً وبلا معنى. جلل الحدث وهوله لا ينسي السيدة رهام، زوجة العقيد مضر، أن تبقى بأفضل حال بالنسبة لمظهرها، فهي ومنذ اللحظة التي تم تهديدها بها بالسلاح، وحتى ذهابها للمستشفى الذي نُقل إليه زوجها، ومع معرفتها بهول مصابها مع فقدان الفتاة وغيابها المجهول، لا يتغير أبداً حال “مكياجها”، حتى أداؤها لا تتبدل أحواله، الفتاة الهاربة تركض على الطريق دون أن يلاحظها أحد! وبالمصادفة العجيبة تتواجد “نوف” الغجرية التي أدت دورها الفنانة أمانة والي مقطوعة على أحد الدروب تنتظر من يقلّها. تصل الفتاة إليها وهي تبدو وكأنها تركض في حديقة وهي تلهو، لا في حالة خوف ورعب كما يُفترض، ثم وبلا أي توجس تضع رأسها في حجر نوف التي تحملها وتهرب بها أيضاً في منطقة مقطوعة لا مبرر درامياً ولا منطقياً لوجودها فيها.. أيضاً الطفلة لا تبدي أي خوف أو توجس من المكان الذي استيقظت فوجدت نفسها فيه بقرب امرأة غريبة لا تعرفها، حتى أنها تتناول الطعام من يدها بكل أريحية.. جميع الرجال الذين ظهروا في الحلقة الأولى شعورهم مصبوغة بالأسود الداكن، ولا يمكن أيضاً فهم هذا الخيار العجائبي، خصوصاً وأن آثار العمر واضحة على الشخصيات، العقيد الذي تم نقله إلى المستشفى، لم تتأكد العصابة من القضاء عليه بعد أن أطلقت عليه النار، رغم أنه يعرف المخطط ويعرف الشخصيات، لكن هذا غير مهم على ما يبدو!! الموسيقى التصويرية جاءت وكأنها لعمل رومانسي نوعاً ما، لا علاقة تجمعها بالأحداث وبطابعها الدراماتيكي، وهذا كله يجري ضمن حبكة ضعيفة وغير مقنعة ستجعل خيار مشاهدة العمل مستبعداً لدى الجمهور الذي يتمّ التعامل معه وكأنه يتلقف ودون أي تفكير كل ما يُرمى له!
القصة المعروفة مسبقاً، الحبكة الضعيفة للأحداث، التفاصيل المهمة التي لم يتمّ الاعتناء بها لصالح الحكاية، والتي ذكرنا بعضاً منها، سيكون لها أثرها الكبير في ذهاب المتفرج نحو خيارات أخرى تحترم عقله، فحشد مجموعة من النجوم في مسلسل حبكة أحداثه مضروبة وتفاصيله لا تخدم الحكاية، لن يكون له أثره الجيد لدى الجمهور، الذي لم يعد يقبل الاستسهال في التعاطي معه وكأنه لا يرى ولا يسمع ولا يفكر!
تمّام علي بركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى