ألمانيا.. ما هي خلفية مطالبة الصين بتعويضات ؟!

د. مازن المغربي

 شددت وسائل إعلام ألمانية من حملتها الداعية إلى مطالبة حكومة جمهورية الصين الشعبية بدفع تعويضات عن الأضرار الاقتصادية التي ترتبت عن جائحة الفيروس التاجي المستجد، ويصر هذا الإعلام المرتبط بالطغم المالية على استغباء المتلقي، ذلك أن تسمية الفيروس بالمستجد تتضمن بشكل جلي أن الأمر يتعلق بطفرة وراثية حصلت مع فيروس مصنف لدى العلماء، ويحمل اسماً ورقماً.

كان نجاح الصين في احتواء تداعيات الجائحة وتجدد انتعاش اقتصادها السبب الأهم في إثارة موجة العداء ضدها بعد أن صار واضحاً أن البلدان الغربية ستعاني من أزمة اقتصادية طويلة الأمد.

استندت الحملة على منطق غريب هو قدرة قطاع الرعاية الصحية الصيني على التأقلم مع الجائحة بشكل فعال، كما لو أن في هذا جريمة، وهذا يمثّل مغالطة وقحة، فخلال العقود المنصرمة، قامت الحكومات الأوروبية الغربية بخصخصة قطاع الرعاية الصحية بشكل مدروس وممنهج، في حين قامت الحكومة الصينية برفع الميزانية المخصصة للقطاع الصحي، بحيث يستجيب للتغيرات التي شهدها المجتمع الصيني نتيجة لارتفاع عدد سكان المدن على حساب الريف، وارتفاع معدل الحياة المتوقعة للفرد، وبالتالي ارتفاع عدد كبار السن الذين يحتاجون لرعاية خاصة.

على سبيل المثال، كان إنفاق الحكومة الصينية على صحة الفرد في عام 2000 يعادل 42 دولاراً، وشهد نمواً مستمراً، بحيث بلغ 398 دولاراً عام 2016، وفق إحصائيات البنك الدولي، كما وصل الإنفاق الإجمالي على الرعاية الصحية عام 2016 إلى مبلغ 574 مليار دولار، كما أدت السياسات الصحية القائمة على التخطيط المركزي إلى رفع نسبة أسرة المشافي لكل ألف فرد، لتصل إلى 3.8، متجاوزة بذلك النسب المماثلة في الولايات المتحدة، ومنذ عام 2002، ارتفعت نسبة الأطباء لكل ألف فرد من السكان بمقدار الضعف، كما شهد معدل وفيات الأمهات تراجعاً مذهلاً، بحيث انخفض ليصل في عام 2015 إلى 27 وفاة لكل مئة ألف ولادة، ونظراً لاعتماد الاقتصاد الصيني على سياسة تخطيط مركزية، فإن النمو السريع في اقتصاد البلاد انعكس بشكل مباشر على حياة أفراد المجتمع، حيث تم انتشال مئات ملايين البشر من حالة الفقر، وتم تحقيق تحسن واضح في مستوى الحياة، ولم يقتصر الأمر على المدن الكبرى وضواحيها، بل تم نشر هيئات الرعاية الصحية في الأرياف، وجهزت بمعدات طبية حديثة، وبموارد بشرية قادرة على تلبية احتياجات السكان.

وشهد قطاع الضمان الصحي توسعاً موازياً، حيث بلغ عدد المشتركين في مختلف مؤسسات التأمين الصحي ملياراً وثلاثمئة مليون إنسان، أي ما يعادل 95% من سكان البلاد.

بالمقابل، سلك قطاع الرعاية الصحية في الكثير من بلدان أوروبا الغربية مساراً مختلفاً، ففي فرنسا، على سبيل المثال، تراجع عدد خريجي كليات الطب إلى أقل من أربعة آلاف سنوياً، في حين بلغ خلال العقد الثامن من القرن الماضي ثمانية آلاف، وتم تعويض النقص من قبل الأطباء الأجانب الذين وصلت نسبتهم إلى 25% من مجموع الأطباء المسجلين رسمياً، وهناك خلل بنيوي يتمثّل في تراجع نسبة الأطباء العامين وأطباء الأسرة مقارنة بعدد الأطباء الاختصاصيين، الأمر الذي انعكس سلباً على أداء القطاع الصحي، لاسيما مع التوجه نحو خصخصة القطاع في فرنسا، وفي باقي بلدان الاتحاد الأوروبي، ولم يسبق أن تمت محاولة تحميل أية دولة مسؤولية حدوث جائحة صحية، مع الإشارة إلى أن القرن الحادي والعشرين شهد موجات عدة من الأوبئة، مثل وباء ايبولا في شرق أفريقيا الذي تسبب بموت أكثر من أحد عشر ألف إنسان، ووباء أنفلونزا الخنازير الذي بدأ في المكسيك وانتشر منها، صحيح أن جائحة كورونا تسببت بخسائر بشرية واقتصادية ضخمة، إنما هذا لا يبرر محاولة تسييس قائمة على مبدأ الهروب إلى الأمام، وتجدر الإشارة إلى أن الوفيات التي تحدث بسبب مرض الكريب الموسمي تتراوح بين 250 و500 ألف وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية، ولم نسمع أن أحداً ما طالب بإلزام أول دولة ظهر فيها الرشح الموسمي بدفع تعويضات.

صار من الواضح أن الاستجابة للجائحة عرّت سياسات حرمان قطاعات الخدمات العامة من الدعم الحكومي، وأظهرت أن إدارة الصحة العامة تتطلب رؤية واستراتيجية وسياسات وبرامج ومتابعة غير مستندة إلى منطق الربح المالي، وبالتالي يصبح من المنطقي ربط خصخصة الخدمات الصحية بتراجع نوعيتها، وبانعدام العدالة في الوصول إليها، ولكن، لماذا رفعت ألمانيا يافطة المطالبة بتعويضات وهي البلد الذي عانى مرتين في تاريخه الحديث من وطأة العقوبات الاقتصادية؟.

كانت العقوبات التي فرضت على ألمانيا في معاهدة فرساي، ثم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سلاحاً فتاكاً تسبب في معاناة الشعب الألماني، ولكن من الواضح أن ألمانيا لم تختر دفع التعويضات بل أٌرغمت على ذلك نتيجة هزيمتها في الحربين، ولكن، ما هي إمكانية إجبار العملاق الصيني على دفع أية تعويضات بعد أن تحول إلى اللاعب الأول على المسرح التجاري العالمي؟.

لقد نجحت الصين في بناء اقتصاد متكامل قادر على الاكتفاء الذاتي، ويمكن القول إن الصين قادرة عن الاستغناء عن الغرب، ولكن هل يستطيع الغرب تحمّل تداعيات الضغط على بكين التي تجاوز حجم تجارتها الخارجية في عام 2018 مبلغاً فلكياً مقداره 4620 مليار دولار؟ وهل تستطيع برلين المغامرة بإثارة استياء شريكها التجاري الأول خلال السنوات الأخيرة؟.

أخيراً، جاء رفض بكين السماح بإجراء تحقيق دولي في مدينة يوهان ليؤجج من جديد نيران الغضب الألماني ضد الصين، لقد صارت قصة التحقيقات الدولية المحايدة مستهلكة، إذ تكون الاتهامات والأدلة جاهزة قبل بدء عمل فريق التحقيق الذي يعمل أفراده تحت غطاء دولي، ويحصلون على تعويضات مالية ضخمة، وكلنا تابعنا كولن باول وهو يعرض على العالم صوراً تبيّن زيفها، لكنها لم تمنع واشنطن من اجتياح العراق وتدميره، ومازلنا نذكر لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري التي خلصت إلى نتائج مناقضة للمنطق السليم فنّدها خبير جنائي ألماني في كتاب “الأدلة الخفية في اغتيال الحريري”، وينطبق هذا على لجنة التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة بعد أن سرّب أعضاء من فريق التحقيق معلومات أكدت تسييس التحقيق، وابتعاده عن المنهج العلمي، وبالتالي، لم يكن لدى بكين سوى خيار قطع الطريق على هذه اللعبة المكشوفة، كما أن النظام الدولي القائم على أحادية القطب قد انهار، وسيخلفه نظام دولي جديد ستكون فيه للصين ولروسيا وللدول الناهضة مكانة مميزة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *