أمريكا ماضية إلى ما هو أبعد من الانقسام…

علي اليوسف

 

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تصوّر الكثيرون بأن نظاماً عالمياً جديداً سيتشكّل تحت قيادة أمريكية، وذهب البعض إلى حد القول بانتهاء التاريخ، وانتهاء عصر الثورات والمقاومات، ولكن سرعان ما أخذت الوقائع والصراعات الدولية والمقاومات تتقدم لتهز تلك التوقعات.

نتج الخطأ الأساسي من التصوّر بأن أمريكا أصبحت الأقوى، فيما لم يلحظ أنها أعجز من أن تسيطر على كل الدول الكبيرة ذات الشأن: أوروبا، والصين، والهند، وروسيا، كان السبب الذي لم يلتقطه المحللون بأن أمريكا أصبحت أضعف وليست أقوى، لأنها ذهبت منفردة لإقامة نظام عالمي تحت سيطرتها المطلقة.

وفي محاولة لتلافي ما ظهر من ضعف أمريكي في عهد بيل كلينتون، وعلى أمل استعادة استراتيجية بناء نظام عالمي يتحكم فيه قطب واحد، لجأ المحافظون الجدد برئاسة جورج دبليو بوش لانتهاج استراتيجية القوة، فابتدؤوا باحتلال أفغانستان، ودعموا شارون لاحتلال مناطق (أ) في الضفة الغربية، وشنوا حرباً على العراق واحتلوه، وانطلقوا لفرض نظام شرق أوسطي جديد (كبير) ضمن المنظور الصهيوني والتحكم الأمريكي، ولكن سرعان ما راحت هذه الاستراتيجية تتداعى أمام اندلاع مقاومات في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان، وتبيّن أنه من غير الممكن تحقيق أهداف استراتيجية القوة بالرغم مما أحيط بها من أوهام، أو ما قامت به من عمليات احتلال، ثم تفجرت بين أيدي المحافظين الجدد أزمة مالية أحدثت زلزالاً عالمياً في عام 2008، فأسهمت في انهيار مساعي المحافظين الجدد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وأصبح إنقاذ الاقتصاد الأمريكي أولوية المرحلة الثالثة للوضع العالمي.

يمكن أن يلحظ هنا أن القيادات الأمريكية فقدت قدرتها على طرح استراتيجية ملائمة، حيث تم التركيز على “منطقة الشرق الأوسط”، وعلى تطويعها في مصلحة الكيان الصهيوني، وتركت روسيا والصين لشأنهما: الأولى تحت وهم الانحلال والتفسخ، فجاء بوتين بعزيمة حديدية لاستعادة روسيا دولة كبرى مهابة، والثانية (الصين) تحت وهم أن انفتاحها على الإصلاحات التي اعتبرت رأسمالية ستجعل مصيرها كمصير أوروبا الشرقية.

جاء أوباما وهمّه الأول إنقاذ أمريكا من كارثة أزمة 2008 المالية- الاقتصادية، أما على المستوى الدولي فقد تخبط في طرح أولويات الاستراتيجية الأمريكية، واعتبر الصين التحدي الأساسي الذي يواجه أمريكا، وبدأ ينقل ثقل دبلوماسيته وبعض المواقع العسكرية باتجاه الشرق الأقصى، ولكنه راح يتردد أين يضع روسيا، والأخطر استمرار حرق أصابعه فيما تركه جورج دبليو بوش من حرائق وأزمات في العراق وسورية، وفي عملية التسوية، الأمر الذي جعله متخبطاً في أولوياته، ومهزوزاً في علاقته بالمنطقة العربية- الإيرانية- التركية، وهو ما أسهم في الانطباع الذي تولّد عند ترامب بوصف عهده بعهد الأخطاء والضعف، ما جعل جزءاً مقدراً من سياسات ترامب محكوماً بمخالفة سياسات أوباما.

المرحلة الفارقة مع كل ما سبقها ابتدأت في العشرين من كانون الثاني 2017 من خلال تسلّم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أدخل العالم في مرحلة جديدة من الصراع مع أمريكا، وأدخل أمريكا في مرحلة جديدة من الصراع مع نفسها، صحيح أن ظاهرة ضعف أمريكا وتراجعها وإخفاق سياساتها عموماً يمكن اعتبارها سمة مشتركة بين المراحل التي تلت انتهاء مرحلة الحرب الباردة، وصحيح أنه ما من رئيس أمريكي إلاّ وله خصوصيته التي تميّزه عن غيره من الرؤساء، ولكن ما يميز خصوصية ترامب عن الجميع هو صراعه الحاد مع الدولة العميقة، ومراكز اتخاذ القرار، وكبريات المؤسسات الإعلامية، وقطاع واسع من الرأي العام الأمريكي (مستنداً إلى تأييد 42 في المئة منه)، الأمر الذي أدى إلى تصادمه لاحقاً مع عدد من وزرائه ومستشاريه ومعاونيه الذين اختارهم هو بنفسه.

على سبيل المثال، عندما أخذ ترامب قرار سحب قواته العسكرية من سورية تبيّن أن وزير الدفاع الذي يمثّل البنتاغون غير موافق عليه، وكذلك السي آي ايه، وغيرهم، وتبيّن أن هناك قوى نافذة كثيرة غير موافقة أيضاً، ما اضطره إلى التخفيف من الضغوط عليه بإعلان التبطيء بتنفيذ القرار، لكنه ماض به.

حتى كل استقالة حدثت في الإدارة الأمريكية جاءت بسبب تعارض ترامب مع المؤسسة التي تمثّلها، تماماً كما حدث مع استقالة جيمس ماتيس، وزير الدفاع إثر قرار الانسحاب من سورية، وأخيراً وليس آخراً، معركته مع الكونغرس بخصوص بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وأيضاً على مستوى السياسات الدولية من الواضح أن ترامب يأخذ قراراته إما بتحد سافر لحلفائه، أو على الأقل من دون أن يستشيرهم، ولهذا صوّت ضده 14 عضواً في مجلس الأمن بالنسبة إلى قراره المتعلق بالقدس أو نقل سفارته إليها، هذا إلى جانب ما أثاره من تناقضات مع أوروبا واليابان في قضايا المناخ والعودة إلى السياسة الحمائية، فضلاً عن مطالبته لها بدفع مقابل وجود القواعد العسكرية على أراضيها، أو ما يعتبر مظلة أمريكية لحمايتها من حروب محتملة.

أما علاقته بكل من روسيا والصين فهي في الحضيض، ما أدخل العالم مرة أخرى في حرب باردة غير معلنة، أي الدخول في سباق تسلّح وتطوير تقني عسكري متفاقمين.

هذا كله يجب ألا يفسر بسبب غرائب أطواره، أو بسبب عقليته التجارية العقارية، لأن وراء صراعه مع الدولة العميقة، ومع الكونغرس، ومع قطاع هام من الرأي العام، ومعركته مع الإعلام، اتجاهاً سياسياً تغييرياً يسنده قطاع من الشعب من “الواسبس” (الأمريكان البيض البروتستانت الأنجلو- سكسون) لا يستهان به، بل يمكنه أن يذهب إلى حد الحرب الأهلية إذا ما تعرّض للتأنيب أو الإقالة، فترامب ليس شخصاً شاذاً فحسب، وإنما هو أيضاً يمثّل اتجاهاً داخلياً، ويمثل استراتيجية وسياسات خارجية واقتصادية وعسكرية لها دعم داخلي أمريكي لا يستهان به.

لهذا، أمريكا منقسمة على نفسها وليست لها سياسة موحدة داخلياً وخارجياً، وهي اليوم أضعف وأشد ارتباكاً من كل المراحل السابقة، ولكنها في “مرحلة مخاض” لا يعطيها ترامب الأولوية، لذلك أمريكا ماضية إلى ما هو أبعد من الانقسام، وأبعد من ضعفها الراهن، لاسيما إذا ما فاز في الدورة الثانية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *