غازي حمزة يحول منزله لمتحف تراثي وفني

قد تكون زيارة واحدة إلى معرض الفنان غازي حمزة غير كافية للتعرف على مقتنيات المعرض المتنوعة، حمزة الذي حول منزله في قرية دوما بالريف الشمالي للسويداء إلى متحف صغير يضم نحو ألف عمل متنوع بين الرسومات والمنحوتات والمقتنيات التراثية والتاريخية.

الفنان صاحب الابتسامة الخجولة لم يكن يحلم بأكثر من قلم رصاص وورق أبيض، ومربعات معروفة الأبعاد حتى ينتج وجهاً محبباً للناس وذا قيمة معنوية كبيرة، ومع الزمن وتطور الحالة الفنية لديه من خلال المتابعة والإصرار والمثابرة على الإبداع اكتشف التجريد الذي حول عالمه الصغير إلى كون مفتوح الاحتمالات.

حول بداياته يقول حمزة لـ “البعث”: إنها لم تكن ككل البدايات التي يقضيها الأطفال في معرفة الهواية المفضلة لديهم ويقومون بممارستها، فقد ولد في بيت فقير لأب حاول جاهداً أن يؤمن لهم لقمة العيش الكريم، ولم يبخل ضمن إمكاناته في زمن كانت الفرص قليلة، غير أن الزمن لم يكن ليشفع له حتى يكمل دراسته كأبناء جيله، وذهب لاقتناص الفرص لتفريغ ما بداخله على ورق، حيث كانت خربشات طفل يحلم بالمجد والسعادة، وكانت الوجوه هي التي تشده إلى الرسم، ووقتها لم يع جيداً ما يقوم به، لكنه كان مرتاحاً وهو يفرغ ما بروحه من تعب بواسطة قلم الرصاص.

موهبته الفطرية، بعيداً عن التعليم الأكاديمي فلم يعرف أبعاد الخطوط والظل والنور والفراغات وماهية الألوان، وقد فرضت البيئة التي يعيش ضمنها ذاتها على طبيعة رسوماته واهتماماته، هذه البيئة التي تقدس الشهادة، وتعامل جرحى الحروب كأنهم أنبياء، وتربى على قصص من كتبوا التاريخ بأحرف من نور، وكل ذلك جعله ينقل تلك الوجوه  والقصص بطريقته دون أي إرشاد من أحد، واتباع أسلوب أحد أو الانتماء لأي مدرسة تشكيلية محددة بل التقط ابتسامة الوجوه وأسقطها على قطع القماش متكئاً على موهبة طالما حاول تنميتها وتقوية سواعدها، ولاشك أن الزائر للمعرض سيدرك مباشرة ارتباط الفنان حمزة بالتاريخ وعظمائه لنجد حيزاً لابأس به من أركان المكان مخصصة لرسومات تحمل صور أبطال الثورة السورية الكبرى ورجالات عظماء عالميين كزعماء وعلماء الاتحاد السوفيتي أو رجالات محليين ووطنيين.

يقول: إنه عمد إلى رسم رجالات سورية في العهد الحديث، أي منذ أيام الاحتلال العثماني والفرنسي، وما بعد الاستقلال، وكل بطل أو بطلة من سورية قدم شيئاً للوطن، وهو باعتقاده أقل ما يمكن أن نفعله لهؤلاء الذين ضحوا من أجل أن نستمر في الحياة. أما بالنسبة إلى عظماء روسيا فهو يرجع إلى تأثره بالأدب الروسي العظيم، وما قدمه للبشرية، وقد امتد رسمه للوجوه والشخصيات إلى الوطن العربي والعالم، حتى لو كان هذا الوجه يمثل حالة إنسانية ما، وأحياناً كثيرة يقوم بالرسم على القماش الأبيض دون أن يعرف أسماء الشخصيات التي يرسمها، وقد تطورت أدواتي مع الزمن في رسم الشخصيات والطبيعة الصامتة من خلال انتقاله إلى الألوان الزيتية، واكتشافه لعوالم الألوان وتداخلاتها، وتدرجاتها وكينونتها الغريبة المدهشة.

وبانتقاله للتجريد يدخل مرحلة جديدة في حياته الفنية الممتدة لنحو أربعين عاماً، حيث تبدو اللوحة كأنها ساحة مفتوحة العوالم والتفاصيل الصغيرة التي يكتشفها في داخله، وهو يحاول نقلها بلغة مخالفة لما هو سائد بناء على قراءته الخاصة لتلك العوالم، وهو ما يترك حالة من الدهشة والفرح الداخلي عندما ينجز ما بدأه، ففي التجريد الخط له هدف والألوان المتضادة لها مواضيعها، والوجوه المتداخلة والبيوت المتراصّة، والساحات والميادين، والربيع والدم، كل ذلك له مكان في لوحة واحدة دون أن يكتمل كما يريد المتلقي الذي يلتقط تلك الأشياء بخيوطها البسيطة السهلة، وبنفس الوقت الغامضة وغير القابلة للقراءة في أغلب الأحيان، يقول: “لقد وجدت في التجريد لغتي الفنية الجديدة البعيدة عن الواقعية الفجة، وهو ما لم يعتده الناس تجاه لوحتي”.

ولاشك أن الفنان حمزة يعتبر حالة متفردة خاصة في الفن التشكيلي فهو ابن الحياة، والذي يراقب لوحاته المعلقة في أرجاء بيته الذي تحول إلى معرض مفتوح أمام الناس لم تنحصر موجوداته برسومات فنية بل تحول لمتحف مصغر يضم الكثير من المقتنيات الأثرية والتراثية التي توثق الكثير من المراحل التاريخية، والتي تمتد لنحو ٣٥٠٠ سنة قبل الميلاد عبر بعض المقتنيات الحجرية التي تعود لتلك العصور.

رفعت الديك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *