“هذيان الحطب” أمنيات تحملها القصيدة

“هذيان الحطب” عنوان يثير تداعيات في الذاكرة وربما يوحي بأنه عنوان رواية أكثر من كونه مجموعة شعرية” فالهذيان اضطراب لفظي وخلط بالكلام، والحطب دلالة على الامتداد الزمني والقدم والاحتواء قبل معناه المباشر المرتبط بالدفء، ومن خلال ربط العلاقات البنيوية بين المفردتين نستشف الإحساس بالهواجس والمفارقات والتناقضات التي يحملها الواقع للكثيرين في المجموعة الشعرية الثالثة للشاعرة السورية ريم عباس، التي لقبت نفسها بريم البياتي تأثراً بالشاعر عبد الوهاب البياتي، الذي يبدو واضحاً من حيث الشكل الشعري والمضمون، فينصب جلّ اهتمامها على الوطن الذي فقد الكثير من شبابه، لتدخل من عتباته إلى وجع الفقراء والمحرومين والعاشقين، فتواكب الموضوعات التي طرحها شعراء الحداثة عبْر الشعر الحر وتنويعات التفعيلة. وقد أوضحت قصيدة هذيان الحطب ملامح المجموعة من خلال المقاربة مع مجريات الأحداث على أرض سورية:

“ما أحلى الرحيل على جناح الموت/ إن كان الطريق إلى رباك/ خذني إليك/ فما تزال طفولتي تحبو على وجعي/ وتُعرض عن حليب مرّ/ من ضرع سواك”

وثمة رابط يقودنا في جزئيات قصيدة “عندما أحببتُ” إلى القدس وما تتعرض له من تهويد وشتات فبعد مقدمة عن الحب الذي يخترق الأسوار ويصارع الحجارة تتوقف عند “غير أن القدس ضاعت، في زواريب التكايا” لتصل في قفلة القصيدة إلى وجع الفلسطينيين”طريق المنفى.. وشيء لايقال”

وتبقى فلسطين قضية الشاعرة التي تُضمّنها داخل القصيدة كما في قصيدة”بلا عنوان”

فلا تستأمنوا الجذر الغريب/ فإنه يرث الهزال/ قالوا غريب لايرى/ ثمل/ أضاع المدينة/ قلت المدينة لا تضيع فإنني/ في الصبح ألثم ثغرها” في إشارة للتوحد والتمسك والتجذر بالأرض في المدينة المقدسة.

ولم تقتصر موضوعات المجموعة على الجانب الوطني والسياسي، إذ أدخلت معاناة الفقراء ضمن بناء القصيدة بتلميحات توحي بواقعهم القاسي كما في قصيدة “صك ووردة” التي صوّرت فيها أوقات الفرح القليلة التي تمر سريعاً دون أثر وتذوب دون علامات: كما الفكرة/ ضيقة حيناً/ مثل سويعات الفرح الزائر أكواخ الفقر/ كقصيدة ملح.

وتابعت بقراءة الكوارث الاجتماعية التي لا تجد طريقاً لحلها في بعض المجتمعات الصغيرة مثل الفوارق الطائفية، التي اغتالت أحلام العاشقين داعية إلى العيش بفضاء وطن لا يسأل عن تلك الفوارق حتى بالموت في قصيدة “العطر”: من بدء البدء لتكويني/أبحث عن أرض غير الأرض وقبر/ لايسأل عن كفني المهزوم/ وعن ديني.

ما يميز المجموعة جمالية العناوين التي تطغى أحياناً على القصيدة المباشرة والمختفية وراء التورية مثل طواحين الغبار– والرقص في أيكة الشوق- ونقرأ شغفها بالورد برمزيته الدالة على الحياة والاستمرارية والتجدد والحب والأمل والحزن، فمن العطر إلى البنفسج إلى الخزامى إلى عبير، وأحياناً تعتمد على المترادفات أو العلاقة بينها مثل “بخيط ومئبر، دمع وغمامة” ومن جماليات المجموعة الأنسنة في “نوافذ الضجر” والتلاقي مع ملامسة التيارات الرومانسية برسم لوحة تربط بين المطر والنافذة والصدى والحيرة: إذ يسقط المطر/ فأقتفي/ حباته/ على نوافذ الضجر.

وفي قصيدتها العاطفية “أشواك اللحظة” تلجأ إلى التوكيد اللفظي بغية التأكيد على المعنى المراد بالتعبير عن الاشتياق: أشتاقك/ حد الدمع المالح/ حد القلق الهارب فينا/ وحد شجوني.

لتعود إلى التوكيد اللفظي بتكرار المفردة ذاتها “حد” رابطة بصوت موسيقي أكثر قرباً بين الذات والطبيعة وموطن اللجوء النفسي مستخدمة تارة صوراً من أسرار الطبيعة: واحمل/ وهج جنوني/ يتلبسني رداء ملاك/ حد الوهج/ وحد الغيم الساكن فينا/ وحد الحلم الراعف/ من قصبات الناي.

كما حفلت المجموعة بأبعادها بالأمنيات الداعية إلى اقتسام الحياة بين الأغنياء والفقراء: يظل الصباح وليداً/ ويأتي بشمس/ تمر على الكوخ قبل القصور/ وتلقي الضياء على الجائعين/ على المتخمين/ على المتعبين.

وتزينت مجموعة هذيان الحطب الصادرة عن دار نيرفانا بلوحة الغلاف للفنان خالد نصار معبّراً عن الأرض بلون التراب والألوان عن تفجر أمنيات قريبة وبعيدة من أعماقها.

ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *