مجلة البعث الأسبوعية

بعد مرور خمسين عاماً على عمر المنظمة الأم.. ماذا نريد من الرياضة؟ إن سارت رياضتنا وفق منطق الإمكانيات المتاحة فلا تنتظروا البطولات وتحطيم الأرقام!!

“البعث الأسبوعية” ــ ناصر النجار

حدثان مهمان انتهى بهما شهر شباط الماضي، ولا بد من الوقوف عندهما ببعض الملاحظات المهمة التي تساهم بدفع حركة الرياضة نحو الأمام بخطوات متسارعة أكثر من البطء الذي تعيشه.

بداية، كان الاجتماع الأول للمجلس المركزي هذا العام، والحدث الثاني الاحتفال بالعيد الذهبي لمنظمة الاتحاد الرياضي العام، وقد أغنته “البعث الأسبوعية” بالمواضيع والتحليل.

بعد كل هذا، يحق لنا أن نتساءل: ماذا نريد من الرياضة؟ الاستمرار أم البطولة أو التفوق النوعي؟ وبالمقابل نتساءل أيضاً: هل الخطوات الحالية تساهم برفعة العمل وتحقيق نقلة نوعية؟ وهل الوعود والأمنيات والتصاريح التي تطلق هنا وهناك، ونسمعها، قابلة للتحقيق؟ أم ماذا؟

 

حفل متميز

سعدنا جداً بالحفل الذي أقامه الاتحاد الرياضي بالذكرى الخمسين لتأسيس منظمة الاتحاد الرياضي العام. وبالفعل كان عيداً ذهبياً لأنه حمل رسالة تاريخية من السيد الرئيس بشار الأسد إلى الرياضيين، ما يدل على اهتمامه المباشر ودعمه للرياضة والرياضيين، دأب سيادته في كل القطاعات الأخرى.

وقد منحنا الحضور الكبير المسؤول شعوراً بأن الرياضة “تحت أنظارهم”، وأن هذا الحفل يمكن أن يكون مدخلاً لمزيد من الدعم التي تحتاجه رياضتنا، وصولاً إلى مستويات أفضل وأكبر. ولا بد من الإشارة إلى الإخراج البديع الذي قدمه المخرج الكبير نجدت إسماعيل أنزور، وقد منح الحفل روعة ونضارة، وكانت بصماته عليه واضحة.

والتكريم كان فقرة مميزة هي لمسة وفاء لنجومنا وأبطالنا، وأغلبهم اليوم صاروا قياديين يتابعون رياضتهم بشكل ميداني؛ ولأنهم ولدوا من رحم الرياضة وملاعبها وصالاتها، فمن المؤكد أنهم يعرفون معاناة الرياضي البطل، ومطلعون على العثرات التي تعترض التطور الرياضي المنشود، لذلك نأمل أن تطلق أيديهم في العملية الرياضية بكل أبعادها حتى نصل إلى تمام الغاية والهدف؛ ولأن إرضاء الناس غاية لا تدرك، فإن البعض ألمح إلى وجود العديد من الأبطال والنجوم الذين غابوا عن التكريم، ونحن هنا نتفق مع هذا الرأي، ولكن ربما ضيق المكان والوقت لا يسمح إلا بهذا العدد، وربما المناسبات القائمة ستمنح النجوم والأبطال الآخرين تكريماً مماثلاً، فالقضية رمزية، وليست شاملة ولا عامة.

ومن المؤكد أن القيادة الرياضة تضع في أجندتها هذا الأمر، وخصوصاً أن كل أبطالنا ونجومنا لا غنى لرياضتنا عنهم، فهم أمل الرياضة بما اكتسبوه من خبرة كبيرة.

 

الشعار الجديد

أطلق الاتحاد الرياضي شعاراً جديداً للمنظمة حظي بالموافقة عليه من المجلس المركزي للاتحاد الرياضي العام. والتغيير في الشعار قد يكون مهماً أو غير مهم، فالناس أذواق بالمحصلة النهائية، لكن الجديد أن الشعار تضمن هدفاً واحداً ومحدداً، وهو “شعارنا.. غايتنا أن ترفع الرياضة علم الجمهورية العربية السورية مكللاً بإكليل النصر”.

الهدف والغاية جميلان، وهذا هو المقصود من الرياضة الاحترافية، لأن البطولة لم تعد تؤمن بالرياضة الهاوية، ولا بالبطل الخارق.. صارت في العالم عملية لها استراتيجية وعوامل نجاح ومقومات وإمكانيات؛ وإذا أردنا تحقيق البطولات فلا بد لنا من تسخير كل الإمكانيات لذلك، وإذا كانت الإمكانيات محدودة فلن نستطيع محاسبة الرياضي على إخفاقه في بطولة رسمية أو قارية أو عالمية، لأن المشاركين فيها سيكونون ممن احترفوا البطولة فعلاً.

من وجهة نظرنا، الشعار جميل والهدف أجمل، والأجمل منهما أن نسير بصدق لصنع الأبطال وتحقيق الإنجازات والبطولات.. رياضتنا كانت متفوقة ومتقدمة، وما الشريط السينمائي الذي استعرض الإنجازات الرياضية إلا دليل على التفوق الرياضي الوطني، رغم أن هذا الفيلم لم يستوعب عُشر الأبطال والبطلات والنجوم.. فعلاً نتوق لرؤية أبطالنا متوجين، ونحلم برفرفة العلم الوطني في سماء البطولات كلها، الرسمية منها أو الودية، والمهم أن يكون علمنا مرفوعاً دائماً بالعالي.

 

الخيار الوحيد

من الطبيعي والمنطقي أن يعلن رئيس المنظمة، في كلمته أمام المجلس المركزي، أن الخيار الوحيد للمنظمة هو الفوز في جميع الألعاب، ولن تكون هناك مشاركات خارجية لمجرد المشاركة.. وهذا الخيار جميل، لكن هل هو ممكن التحقيق؟

في كل البطولات من الممكن أن يكون المرشح الأول للبطولة خارج قائمة المنافسين أو أوائل الترتيب لأي سبب: قد يكون هناك ظلم تحكيمي، أو تجنّ من اللجنة المنظمة، أو القرعة التي أحياناً لا تخدم الأبطال فيكون للحظ نصيب من البطولة، وأحياناً هناك ظروف طارئة كالمرض أو أي شيء يحرم الانسان من بطولته.

أعتقد أن هذا الخيار يجب أن يضبط بقواعد وآليات بدل أن يكون مطلقاً، فالألعاب التي يكون ميزانها الرقم يجب أن يكون الرقم هو الهدف، وكل بطولة لها ميزانها حسب المشاركين، فأن تلعب أمام بطل العالم في الملاكمة والمصارعة، وغيرها من الألعاب، وتخسر وتخرج من البطولة، ليس أمراً معيباً، أما أن تخسر أمام لاعب مماثل، أو أقل مستوى، فهنا يجب أن تكون المساءلة!!

أيضاً، لا بد من التنويه إلى أن أبطالنا يحتاجون إلى المشاركات الخارجية من أجل اكتساب الخبرة وصقل الموهبة، وهي خطوة مهمة قبل تحقيق الألقاب والبطولات. والشيء الآخر المهم تحديد المشاركات والهدف منها، فهناك مشاركات ضعيفة هدفها السياحة والتسويق، أو أن المشاركة فيها لا تعود على رياضتنا ولاعبينا بالنفع والفائدة، لضعف المشاركين أو قلة عددهم، لأن رياضتنا تتطور وتقوى بمشاركاتها النوعية في البطولات الحقيقية.

 

المال والاستثمار

ما تحدث به رئيس المنظمة، فراس معلا، عن الأندية وضرورة البحث عن موارد مالية جديدة وإضافية عبر الاستثمار، لهو كلام حق، ويجب العمل عليه ومتابعته، لكن الملاحظ أن عين الرقيب على نفقات الأندية غائبة، وعن الاستثمارات غائبة أيضاً، والموضوع له شقان:

الأول أن كل نفقات الأندية مفتوحة وتجري بعيداً عن مصلحة هذه الأندية، وليس من الضروري إن كان لكل ناد شركة داعمة أو جهة راعية أن يكون بعيداً عن الحساب والمساءلة.

وهذا ما نجده في كرة القدم على سبيل المثال، فكرة القدم تكلّف مئات الملايين من الليرات في كل عام وفي كل ناد، فيما الحصيلة غير متناسبة، فالعقود ليس لها ضوابط، وأسعار اللاعبين والمدربين صارت خيالية، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق، ويصب في خانة سوء الإدارة وسوء استعمال المال وهدر المال العام؛ ولو كانت هناك ضوابط في العقود لمصلحة اللاعب والنادي معاً لما رأينا مغالاة في الدفع، ولرأينا التزاماً وانضباطاً أكبر من اللاعبين؛ ونحن نعرف أن العقد شريعة المتعاقدين، لكن بالوقت نفسه يجب ان يكون لكل عقد ضوابط وبنود.. هذا من جهة، لكن من جهة أخرى نسأل: ما الجهة التي تحدد الأسعار؟ وعلى أي منطق سيتم تحديد السعر؟

العقل يقول: أكثر من تسعين بالمئة من لاعبينا لن يجدوا عقوداً في أندية الدرجة الثانية في الدوريات العربية، وليس لهم مجال إلا في دورينا، لذلك حددوا الأسعار فلن نخسر أي لاعب، وعليكم بالوقت ذاته أن تحدّوا من المضاربة بين الأندية حرصاً على استقرار أسواق كرة القدم..

الاحتراف عملية اقتصادية، والمفترض أن تكون جزءاً من اقتصاد السوق، وأن ترفد الرياضة وتدعمها وأن تصبح ركناً من أركان الناتج القومي.

أما الاستثمار فحدث ولا حرج، وأعتقد أن الوضع الحالي بحاجة إلى عملية تفاهم ودية مع المستثمرين نظراً لارتفاع الأسعار بكل مكان، فليس من المنطق أن يبقى المستثمر مستفيداً والرياضة خاسرة، ومن لا يقبل بالقسمة العادلة فإغلاق استثماره أفضل من بقائه.

وهناك أيضاً مطارح مهيأة للاستثمار يجب أن تستفيد منها الأندية بشكل جيد، وعلينا أن ننظر إلى انعكاس الاستثمار على الأندية، وكيف يوظف هذا الاستثمار في خدمة الأندية. وللأسف، لم تستفد من مال الاستثمار رياضياً، لأن الرياضة الحقيقية غير موجودة فيها، والفرق التي في ملاعبها وصالاتها مجرد صور لفرق لا تقدم ولا تؤخر.

الكلام في الاستثمار محزن ومزعج معاً، والموضوع لا يتوقف على الأندية فقط، واتحاد كرة القدم واتحاد كرة السلة سوّقا الدوري بثمن بخس لا يعادل كلفة نصف فريق؛ والمشكلة الحقيقية تكمن في السنوت القادمة إن استمرت التغييرات بأسعار السوق، وكأنه تم بيع الدوري “ببلاش”، والمشكلة الحقيقية أن الاتحادين سوّقا لنفسيهما على أنهما حققا انجازاً ما بعده انجاز.

من حق الاتحاد الرياضي العام ألا يقدم دعماً مالياً للأندية كونها شخصيات اعتبارية لها استقلالها المالي؛ وعلى العكس، يجب أن تدفع الأندية ضريبة يتم استثمارها في الأندية الفقيرة والألعاب الشهيدة؛ ومن الحق أيضاً أن يمارس الاتحاد الرياضي العام دور المحاسب والرقيب على هذه الأندية ليوقف هدر المال الذي ينفق بلا طائل.

 

غلاء فاحش

من المفترض مواجهة الغلاء الفاحش ببعض الإجراءات التي تعود على الرياضيين بالنفع، لأن الرياضيين جزء من المجتمع يحتاجون موارد مالية للعيش بكرامة؛ وموضوع زيادة أذن السفر الذي لم يوافق عليه محاسب الاتحاد الرياضي يشكل معضلة كبيرة، ومشكلة حقيقية، للرياضين، فهذه النفقة وضعت لتغطية سفر الرياضي أو الفرق الرياضية. وقبل أن نحدد موقفنا من أذن السفر علينا أن ندرس التكاليف التي يحتاجها الرياضي في السفر، ثم نقرر إن كان أذن السفر بحاجة إلى زيادة أم لا، وهذا الأمر يتعارض كلياً مع أهداف المنظمة التي تبحث عن البطولة، فكيف سيحقق الرياضي البطولة وليس لديه ما يكفيه؟

نعود فنقول: إذا كانت رياضتنا تسير وفق منطق الإمكانيات المتاحة، فلا تنتظروا البطولات وتحطيم الأرقام؛ وعلينا البحث عن الإمكانيات المتاحة لتحويلها لإمكانيات جيدة، وهذا الموضوع فيه الكثير من الكلام، ولدينا الكثير من الأمثلة عن صرفيات في الهواء لا تخدم الرياضة، بل تخدم الأشخاص وأهواءهم.

من هذا المبدأ، فإن المطلوب تغيير العقلية التي ندير بها الرياضة، فالرياضة بحاجة إلى إمكانيات وخبرات وأشخاص بمكانهم المناسب، ودون ذلك لا تتأملوا من رياضتنا أن تبصر النور وأن تحقق ربع أحلامنا.

بمثل هذه العقلية، لن نصل إلى المونديال الكروي، ولن نحقق أي ميدالية أولمبية، ولن.. ولن، فالبطولة تحتاج أكثر من الكلام، وأكثر من الأحلام والأمنيات.

 

الشراكة الإعلامية

المطلوب من القيادة الرياضية تفعيل الشراكة الرياضية مع وسائل الإعلام قاطبة، لا أن يقتصر التفاعل مع أشخاص معينين بحد ذاتهم.

فالواجب الوطني والمهني الذي منحه السيد الرئيس بشار الأسد للإعلام، في ممارسة حقه الكامل في عملية النقد البناء الإيجابي، لا بد أن يكون في طليعة الاهتمام، وللعلم نقول: ليس من الضروري، إذا ما مارس الإعلام النقد البناء من أجل إيضاح الحقائق ولفت نظر المسؤولين إلى الأخطاء التي تقع بها المؤسسات الرياضية، أن يكون الإعلام على خلاف مع المسؤولين الرياضيين، بل على العكس يجب أن يكون الإعلام داعماً من موقعه، سواء بالتركيز على الإيجابيات أو الإشارة إلى السلبيات، في غاية هدفها دفع الحركة الرياضية نحو الأمام.

كلنا شركاء وكلنا في خندق واحد، وشعارنا واحد.

سررنا جميعاً بالحفل الذهبي، ولكن كنا نتمنى سماع كلمة ترحيب بوسائل الإعلام، أو كلمة شكر، وهذا أضعف الإيمان!!