تحقيقاتصحيفة البعث

“في عيده”.. المعلم نظرة مختلفة للواقع التربوي

“أيها المعلم سنكون خيوطاً في يدك وعلى نولك.. انسجنا ثوباً إن أردت، فسنكون قطعة في ثوب العُلا المتعالي”، يبدو أن “جبران” عندما قال قوله لم يتوقع أن رسالة المعلم في يومنا هذا ستختلف اختلافاً جذرياً عما كانت عليه سابقاً، “كل شي بالحياة عم يتغير.. ليش التدقيق علينا بس”: يقول الأستاذ عبد الهادي المخضرم في الرياضيات، ملقياً لومه على المحيط جميعه، بدءاً من تغيّر نظرة الطالب لمعلمه حتى معاشه آخر الشهر! فهل حقاً الظروف كفيلة بتبديل “رسالة الأستاذ” وتغيير القناعات والمبادئ؟.

مبررات
تقلبات الحياة وصعوبتها لعبت دوراً كبيراً في التحكم بأحوال الناس، وبات الحصول على لقمة العيش “مشقة” بحدّ ذاتها، فاتجهت الأكثرية للأعمال الإضافية، وكانت الدروس الخصوصية واحدة من تلك “الإضافات، لكن “قدسية” التعليم بنظر الكثيرين جعلت من هذه الدروس أمراً مرفوضاً، ولاسيما مع أجورها المرتفعة جداً وبشكل غير مقبول، حيث لم يعِ البعض أن المعلم موظف في النهاية لكنها وظيفة بمرتبة سامية، والتربية التي اعتاد عليها أبناء المجتمع واحترام “من علمني حرفاً” جعلت من هموم ذلك الإنسان حديثاً عابراً حتى طريقة كسبه لعيشه باتت مرفوضة، فكيف يحق لنا أن نحاسب المعلم ونتغاضى عن الطبيب “التاجر”؟، رغم أن المهنتين تنطلقان من بوابة الأخلاق، والحق يقال، قد يكون من حق المعلمين أن يكسبوا من تعب أفكارهم، غير أن “ثمن” ذلك العطاء خارج عن المنطق. وتبيّن المشاهدات والوقائع التي كنّا مطلعين عليها أن الساعة وأحياناً نصف الساعة للدرس الخصوصي تبدأ من الـ 4 آلاف حتى 15 ألف ليرة، وهناك معايير، بمعنى إن تواجد الطالب مع مجموعة (4 طلاب) يتقاضى المدرّس 4000 مترنحة صعوداً ونزولاً، إذ تقسّم الساعة على المجموعة، وإن رغب الأهل بأن يكون ولدهم بمفرده كي يحصل على شرح منفرد وكامل من أستاذه يتقاضى هنا الأخير 15 ألفاً، أيضاً قد تتمّ المراعاة، وقد يتمّ الإكرام حسب حالة العائلة. وبحسبة بسيطة في حال وجود مجموعة في الصباح وطالبين منفردين في اليوم نفسه فإن المعلم تصل “يوميته” إلى 46 ألف ليرة يومياً، أي 138 ألفاً بثلاثة أيام في الأسبوع، و552 ألف ليرة بالشهر الواحد. ومن الطبيعي في خضم هذه الأرقام أن تسقط رسالة المعلم بنظر الكثيرين، تلك التي شبّهها الشاعر أحمد شوقي بأنها سماوية ووجب تبجيل صاحبها، هذا ولم نتحدث بعد عن الدورات المكثفة قبل الامتحانات والتي يصل “ثمنها” إلى 150 ألفاً بحسب المعهد والنوتات التي يطلبها المدرّسون والبالغ ثمن الواحدة منها 10 آلاف ليرة، وإذا أردنا الحديث أبعد من ذلك يبقى لملف الجامعات وتعاطي بعض الأساتذة مع الطلاب بطريقة ترفعهم حديث آخر، الفيصل فيها الطالب نفسه الذي قد يرسب في المادة 5 مرات وأكثر، وربما يتوقف تخرجه عليها، وذلك لأسباب نترك إجابتها للقارئ والمدرك للوضع!!.

خلل تربوي
وبالنظر إلى وضع المؤسّسة التعليمية التي ليست بأفضل أحوالها، نلاحظ شحاً بعدد المعلمين المختصين رغم كثافة من تعيّنهم وزارة التربية بمسابقات سنوية، ما يجعلك تتساءل عن مكمن الخلل بهذه المنظومة، فالأرياف في المحافظات وكمثال على ذلك ريف حماة، تعاني الثانويات والإعداديات فيها وكذلك الحلقة الأولى من نقص في عدد المدرّسين المختصين، وتجد طالب زراعة سنة ثانية أو فيزياء سنة ثالثة، كذلك عربي غير متخرج يعطي دروساً للصف التاسع والبكالوريا وكل الصفوف رغم عدم كفاءتهم، فقط لترميم التصدع الحاصل، فيضطر أبناء تلك المناطق لطرق باب المدرّسين الخصوصيين بمراكز المدن ودفع ثمن حصولهم على الشهادة غالياً وهم أبناء فلاحين وطبقة أقل من وسطى، إضافة لانقطاعهم عن المدرسة طيلة الفصل الثاني لعدم وجود المعلمين، كذلك الحال في ريف دمشق ومنطقة الباردة مثال حيّ على ما نقول، وكثيرة هي الأمثلة. أما حديث الوزارة عن فرق التتبع والتقصي ومحاسبة المدرّس فهي أمر بعيد عن الواقع وأرياف المحافظات خير إثبات. وعن “البريستيج” فهو ينطبق على الطبقة الثرية والمدارس الخاصة، أما المدارس الحكومية، فنحن نجزم بأنها من باب الحاجة وفقدان زمام السيطرة من قبل “التربية” على المدارس، إذ من الطبيعي أن يتجه طالب البكالوريا للمدرّس الخصوصي عندما يشعر أن من يعلمه في المدرسة طالب مثله تماماً، وهو من ينتظر باب المستقبل ليفتح له ويرحل من قريته إلى المدينة.

وأي عيد!
اختلفت المبادئ بين الأمس واليوم، وربما فقد المعلم هيبته أمام الطلاب، لكن يا ترى من أوصل رسول العلم إلى هذه الدرجة؟

بمراجعة سريعة لعشر سنوات مضت نرى أنه لم يكن هناك درس خصوصي بل كان الانضباط وأخلاق المهنة سيدي الموقف، فهل سنين الحرب كانت كافية لزعزعة منظومة التربية، أم هي كانت ضعيفة من الأساس، وأين هي الوزارة من توزيع المدرّسين على المناطق والأرياف المحتاجة وهم كثر، وأين حق المعلم الذي قد “يستره” ويكفيه من الإضافي، أسئلة كثيرة تُطرح بعيد المعلم؟!

نجوه عيدة