عنق الزجاجة

لا أدري إن كانت هذه لحظة خروج من عنق الزجاجة، بما أنه بعد كل ضيق لا بد وأن فرجاً سيعقبه، أو أنها حالة استعصاء، تخنق الجميع وتدفعهم للنجاة بأنفسهم دون غيرهم حتى ولو كلف ذلك سد منافذ الفرج على غيرهم، أو أنها حالة من النكوص إلى عصر التخلف الأول والذي نتطاول على معاصريه إن قلنا ذلك. فساكنو عصور الجهالة لم يكونوا جهلة قطعاً كما نحن الآن. بل كانوا مواكبين لعصرهم ويعملون ضمن الإمكانيات المتاحة. أما وصمهم بالجهالة والجهّال فهذا وربي إجحاف بحقهم، فزمنهم غير زمننا وعلومهم غير علومنا. كانوا يبذلون كل ما يستطيعون لتأمين معيشتهم على النحو الأفضل وكانوا يتوقفون عن الجني والتحصيل المادي حينما كانوا يحصلون على قدر حاجتهم، بل ويؤثرون الآخرين ويعطونهم مما لديهم إن كان ثمة حاجة لذلك. ولكن مالنا ومال العصور السحيقة؟! خلينا بالواقع.

عن الواقع التعليمي أتحدث. واقع أجيالنا الحالية التي تتذرع بكل ما أوتيت من حجج لكي لا تتلقى إلا لقيمات تعليمية لا تسمن ولا تغني من علم. صحيح أن الجميع يكافح للوصول إلى مكان عمله أو تعليمه بشق الأنفس باذلاً كل ما يستطيعه من غالٍ ونفيس، لكن هذا لا يعني أننا بخير وأننا نسير في الاتجاه الصحيح. فحينما لا يكون همّ أي منا من كل التعب وإضاعة الوقت جرياً وراء المواصلات وحضور نصف المحاضرات إلا الحصول على “الكرتونة” – وهو المصطلح الذي شاع مؤخراً وأظهر انحدار قيمة التعليم – فهذا ليس فقط إجحافاً وإساءة بالغة للمدرس الذي لا يزال يؤمن بقدسية التعليم ولديه آمال كبيرة بأن التغييرات والمستقبل أفضل بكثير مما نحن عليه الآن، وإنما إجحاف بحق الشخص نفسه. حينما نكتفي بلقيمات تعليمية ونلهث – وبكل صفاقة ووقاحة نعبر عن ذلك سراً وعلانية – وراء (الكرتونة) فنحن نسيء لذواتنا. حينما (نتشعبط) بكل وسيلة ممكنة للغش واجتياز الامتحانات ملقين باللوم على اتساع نطاق الأسئلة وضيق أفق المدرّس وعدم كفاءته وضيق الوقت الامتحاني وعدم عملانية المعلومات التي يتم سردها على مسامع الطلاب أو عدم نجاعة النظام التعليمي، فنحن نسيء لأنفسنا ونلقي بأسباب فشلنا على غيرنا. عدم تحمل المسؤولية عن الفشل هو أسوأ ما نعانيه اليوم. حينما يدخل الطالب إلى قاعة امتحانية مدججاً بكل أدوات الغش فمن هو الشخص الذي سيكونه حينما تكون (شهادته) بيده. حينما يتخرج مهندساً أو طبيباً أو مترجماً، فكم بناء سيهبط بساكنيه، وكم مريض سيقضي في غرفة العمليات، وكم وثيقة ستكلف البلاد ملايين الدولارات تعويضاً أو تتسبب بخسارة لصفقات هامة أو تتسبب بنزاع بين الدول بسبب سوء الترجمة؟ الأمثلة كثيرة جداً. وجيلنا اليوم لا يرغب بـ (إثقال) كاهله بالمعلومات ويتذرع بالظروف الحالية والكهرباء والمواصلات والعمل، لذلك يطالب بتخفيف الأعباء التعليمية على جميع منصات التواصل. إن بقي الأمر عند هذا الحد، فثمة أمل في تجاوز الصعاب، لكن أن يصل الأمر إلى حد الصراخ في وجه أولي الأمر ومطالبتهم بلهجات غير مستحبة بمراعاة الظرف الذي تمر به البلاد ومراعاة ظروف عملهم وتحمل نتيجة فشلهم فهذا أخطر من وباء كورونا بعينه. إن كان عملك الذي يمنعك عن حضور جلسات العلم والتدريب المهني وإغناء ثقافتك بالاطلاع والقراءة يتمثل بإمضاء وقتك في التنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي ووصل أرحامك عبر التواصلات الاجتماعية وجبر الخواطر بالتعليق على حالات الآخرين، فهذا داء لا بُرء منه أبداً.

الغريب أن الكل يرغب في الحصول على (الكرتونة) لكي يستطيع السفر. وما إن يحصل على مبتغاه حتى ترى قدميه تكادان تلامسان ظهره ليصل إلى بلاد الغرب؛ بلاد الفكر والعلم والحضارة والتقانة والإنسانية والتحضر. وهناك فقط، يبدأ يشعر بأنه يعيش حقاً على هذا الكوكب، فيغدو مواطناً صالحاً فاعلاً منتجاً، يلتزم بقوانين تلك البلاد عموماً وقوانين السير خصوصاً، ولا تراه يرمي نفايته من بيته أو يضعها على قارعة الطريق أو يبصق في الشارع أو يقطع الشارع كيفما اتفق دون النظر إلى الإشارة الضوئية. تراه راضخاً للتعليمات ممتثلاً لكل ما يطلب منه وينفذه برحابة صدر ولكنه لا يغفل أن يعطي بلاده نصيباً من السباب والشتائم مستخدماً أقذع الألفاظ. لماذا؟ لأنه – من وجهة نظره طبعاً – في بلاده لم يتعلم على هذا النحو ولم يبذل الآخرون جهداً فوق ما كان مطلوباً منهم في خضم هذه الأزمة من أجله، ولم تكن أي من المؤسسات داعماً له في مسيرته إلى أن حصل على الشهادة التي مكّنته من المتابعة، لكن ليس من الصفر حتماً. نعم، يبدو أننا في بلادنا كنا ديموقراطيين أكثر من اللازم وعوّلنا على أخلاقنا المجتمعية التي خذلت الوطن في وقت كان فيه هذا الوطن الجريح بأمس الحاجة إليها. لولا كل الأشخاص الذين يعملون ليلاً نهاراً لما كان أي شخص على ما هو عليه اليوم، حتى وإن كان الجميع يعمل للحصول على رواتب أو أجور لقاء ما يقوم به. لا يمكن أن ننفي جهد أي شخص في الوطن، فوفقاً للنظرية الوظيفية لكل شخص وظيفة ودور يؤديهما لننتهي بتكامل للأدوار والوظائف من أجل الصالح العام والخاص معاً؛ المدرّس وعامل النظافة، والسائق، والموظف، والصناعي، والفلاح، الجميع بلا استثناء.

لا أدري على من نلقي باللائمة. قد نتحجج بالظروف والعقوبات التي أدت إلى أوضاع معيشية متدنية، لكن ما علاقة الأوضاع المعيشية بالرغبة بالعلم ورفع السوية العلمية طالما أن لدينا بعضاً من وقت متاح أمامنا نقضيه على شاشات الهواتف النقالة؟ طالما أن التقنية متاحة أمامنا – ولو بالحد الأدنى – فلماذا لا نرفع من مستوى وعينا وإدراكنا لأهمية الثقافة والعلم في حياتنا وكيفية النهوض بمجتمعنا من خلال المبادرات – لا أقول الاجتماعية أو العلمية – وإنما الأخلاقية، لأن بالأخلاق وحدها تسود الأمم.

المؤسف أننا في عصر التقنية هذا أصبحنا أشخاصاً كسالى لا نرغب بمغادرة هواتفنا من أجل إغناء عقولنا، بل قد نكتفي بقراءة ملخصات عن بعض الأمور أو حضور المحاضرات عبر التلغرام أو الزووم في أحسن الأحوال. إن كان الأمر كذلك، فأنا أهيب بكل الجهات المختصة لكي تبني لنا منصات تواصل تعليمية فاعلة على غرار التعليم الافتراضي ليكون ثمة تواصل بين المعلم والمتعلم لكي نضع نهاية لكل اللامبالاة وقلة الوعي بالنتائج المستقبلية لأعمالنا اليوم.

يقولون في اللغة الإنكليزية (You are what you eat) أي أن صحتك الحالية هي نتاج ما تأكله، وأنا أقول (You are what you learn) أي أن مستقبلك لن يكون مبنياً إلا على ما تكتسبه وتراكمه اليوم من علوم وخبرات وأخلاق وأمانة.

كفانا حججاً لتبرير فشلنا أو قلة وعينا أو لا مبالاتنا أو كسلنا أو إهمالنا أو أنانيتنا. طوق النجاة ليس فردياً، وبالعلم وحده نستطيع بناء أنفسنا ووطننا. البناء ليس كلمة نتشدق بها. إنه عملية متكاملة تحتاج إلى تضافر جهود جميع من بقي في هذا الوطن. ليس لأحد منة على أحد. ما نقدمه ليس بالشيء العظيم لكن قليلنا يمكن أن يضاف إلى قليل الآخرين ليكون عظيماً. عمل قليل معجون بالحب والصدق والإيمان بتجاوز المحن والارتقاء يمكن أن يوصلنا إلى مغادرة عنق الزجاجة رويداً رويداً.

المشاعر ليست مفصولة عن العمل، فأي عمل نؤديه دون حب يكون عملاً روبوتياً قد يؤدي النتيجة (1+1=2) ولكنها لن تكون مثمرة ولن تؤدي إلى التراحم والمحبة؛ الصفتان اللتان تبنى عليهما كثير من الأشياء.

عمل متقن وحب لما نقوم به وإيمان بالنهوض يعني وطناً جميلاً منيعاً. وطننا جميل وكما هو القول السائد هو ليس فندقاً نغادره حينما تسوء الخدمة، فنحن ولا شك أحد أسباب سوء الخدمة هذه. فلينظر كل منا في مسؤوليته تجاه ما آلت الأوضاع إليه. لنفعل المحاسبة الذاتية ونستشرف الوطن الذي سنورثه لأطفالنا بعد رحيلنا. إن كانت الصورة المستقبلية لما سنتركه مرضية فلنكمل ما بدأنا به أو لنقم بمراجعة – والأفضل أن تكون ذاتية. فسوريتنا تستحق.

هلا دقوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى