أين الشعر؟

يعتبر الشعر أهم الأجناس الأدبية وتاجها، وهو ساحر الأنفس وشاغل الناس عبر العصور، ولو أراد أحدنا الإحاطة بما كُتب عنه منذ اختراع الكتابة حتى الآن لما استطاع ذلك خلال سنوات عمره الافتراضي مهما بلغت.

ولو سألنا أياً كان عن ماهية الشعر لأحسّ بغرابة السؤال واستنكر أن نسأله عن موضوع بديهي يستطيع الجميع الإجابة عنه مسبقاً، ولكننا عندما نلحّ عليه كي يجيبنا نجده قد ارتبك ثم بدأ يعطي إجابات غير واضحة المعالم تعتمد على حركات يديه وتعابير وجهه أكثر من اعتمادها على المفردات اللفظية التي توضح رأيه المباشر والصريح.

ورغم كلّ ما كُتب عن الشعر وما قيل عنه منذ البدء وحتى الآن، لا زال المهتمون والنقاد والشعراء أنفسهم مختلفين حول تعريفه ولم يستطيعوا تقديم رؤية واضحة ومحدّدة حوله يتفقون عليها جميعاً، ويمكننا تلخيص آراء النقاد الأوائل بشكل عام بأن الشعر هو الكلام الموزون بالأوزان الشعرية والمقفى والدال على معنى والذي قصد به صاحبه قول الشعر، وبقي هذا التعريف سائداً عشرات القرون وحتى وقت قريب، ولأن للشعر مكانة سامية عند كل الشعوب كثُر المتطفلون عليه ممن اعتقدوا أن كل كلام موزون مقفى تمّت صياغته بلغة سليمة هو شعر وامتلأت مستودعات دور النشر ورفوف المكتبات بمئات آلاف المطبوعات التي لم تعد تجد من يهتمّ بها لمعرفة النقاد والجمهور مسبقاً بمحتوياتها التي لا تمتّ لجوهر الشعر بأية صلة.

ونتيجة لهذا الاختناق ظنّ البعض أن شكل الشعر المعروف يشكّل قيداً على الإبداع ويحدّ منه، فتمّ الاستغناء بداية عن نظام البيت الشعري والقافية الواحدة، فظهر شعر التفعيلة الذي قدم للساحة الشعرية بعض الشعراء المبدعين ممن نفخر بهم، ومن ثم عاد الاختناق مجدداً فظنّ البعض أن الاستغناء عن الأوزان الشعرية والقوافي نهائياً هو الحلّ الأمثل لكل هذا، فظهر ما يُسمّى بالشعر الحديث بأشكاله ومسمياته المختلفة والذي أضاف للساحة الأدبية ما نعجز عن قراءة عناوينه ومعرفة أسماء من قدموه، فكيف هي الحال لو جربنا قراءته والاطلاع عليه؟.

ولو شبّهنا الشعر بالعسل وشكل القصيدة بقرص الشمع لاقتنع الجميع تماماً بأن من خلقوا ليكونوا شعراء هم كالنحل، وهم فقط لا غيرهم من يجعلون من القصيدة مشبعة بعسل الشعر، وأن الشعر هو حالة إبداعية خاصة جداً لا حالة أكاديمية، وأن القصيدة ليست شكلاً دقيقاً ومنتظماً أو غير منتظم مليء بالكلام المنمق لكنه خالٍ من الشعر، وأن الشكل وسلامة اللغة أساسيان في الشعر لكنهما ليسا الشعر ذاته مطلقاً، وبإمكاننا أن نقول بكل أسف: لقد أصبح الشعراء مجرد أرقام مليونية نحصيها لولا بعض من نلمحهم هنا وهناك يشعون نوراً كالمصابيح وسط كل هذا العتم والزحام، ولولاهم لبقي الشعر هو الحاضر بالذاكرة والغائب عن الساحة تماماً.

أمين إسماعيل حربا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى