مجلة البعث الأسبوعية

حصتها من التعليم الجامعي لا تتجاوز الخمسة بالمئة.. الأقساط وتراجع القوة الشرائية يحرمان ذوي الدخل المحدود من الجامعات الخاصة

“البعث الإسبوعية” ــ أحمد العمار

استثمارات هائلة ضُخت في الجامعات الخاصة، منذ دخولها إلى سوق التعليم الجامعي خلال العقدين الأخيرين، وذلك بالتوازي مع تسهيلات استثمارية في غير اتجاه، بيد أنها لم تنجح إلى الآن بتقديم منتج تعليمي يتناسب وقدرات الطلاب ذوي الدخل المحدود والمتوسط، بمعنى: ظلت أقساط الجامعات تقع خارج إمكانات هؤلاء، وبالتالي فإن ثمة جامعات خاصة محلية، ولكن لا أمل في دخولها لمن لا تمتلك أسرته عشرات ملايين الليرات السورية اللازمة لذلك، فما الذي يمنع تحقيق ذلك؟ وهل يقف ارتفاع التكاليف التشغيلية والإدارية حائلا أمام قرار هذه الجامعات بتخفيض أقساطها؟

 

حصة سوقية ضئيلة..

بالرغم من أن الجامعات الخاصة دخلت سوق التعليم العالي، عام 2003، إلا أن حصتها السوقية ما زالت متواضعة، إذ تفيد بعض المؤشرات أن إجمالي أعداد الطلاب المنتسبين وصل، عام 2019، إلى 50 ألفا ارتفاعا من حوالى 32 ألفا لـ 2017، ولكن هذه الأعداد لا تمثل سوى خمسة بالمئة من حجم السوق التي ما زالت الجامعات الحكومية تستحوذ على الحصة الأكبر منها، في مؤشر واضح على أن هذه الجامعات استقطبت أعدادا هائلة من الطلاب لعديد الأسباب، لكن تبقى مجانية التعليم أبرز هذه الأسباب على الإطلاق..

 

معايير ومتغيرات..

يؤكد معاون وزير التعليم العالي لشؤون الجامعات الخاصة، الدكتور شكري البابا، أن الأقساط والرسوم بناء على المتغيرات الاقتصادية محلياً، مع مراعاة التكاليف التشغيلية العامة لهذه الجامعات، ومن ثم التكاليف التشغيلية الخاصة بكل قسم أو كلية على حدة، حيث ترتفع هذه التكاليف في الاختصاصات الطبية، ومن ثم الهندسية، فالعلوم الإدارية والإنسانية، تبعا لاستخدام المخابر والتجهيزات والوسائل التعليمية وغيرها من قبل الهيئتين التعليمية والإدارية، مبينا أنه، وبمقارنة رسوم هذه الجامعات مع نظيرتها في دول الجوار، فإنها لا تزال أقل بكثير من الرسوم المعتمدة هناك.

وبالرغم من ذلك، يشير البابا إلى أن هذه الرسوم قد تكون السبب الرئيس في عدم تسجيل بعض الطلاب في هذه الجامعات (كما هو الحال في أغلب دول العالم)، إلا أن الفرصة تبقى متاحة أمام الطلاب المتفوقين، حيث صدر المرسوم رقم 7 الذي خصص لهؤلاء خمسة بالمئة من عدد المقاعد المخصصة للطلاب الجدد، بحيث يجري التفاضل عليها بين عامة الطلاب على شكل منح مجانية بالكامل، مؤكدا أن وجود هذه الجامعات يأتي تلبية لرغبات بعض الطلاب في دراسة الاختصاص، الذي لم تتح لهم فرصة دراسته في الجامعات الحكومية، وبهذا تكون هذه الجامعات رديفاً لنظيرتها الحكومية.

 

الأقساط إلى ارتفاع..

ارتفعت أقساط الجامعات الخاصة، للعام الدراسي 2021/ 2022، بنسب تتراوح بين 50 – 75 بالمئة، علما أنه كانت هناك مطالبات من قبل بعض القائمين على هذه الجامعات برفعها بنسبة 200 – 300 بالمئة. وهكذا أصبحت رسوم الساعات المعتمدة تتراوح بين 23000 ليرة في اختصاص التمريض، و200 ألف ليرة للطب البشري، لتصل تكاليف الطالب إلى 7،2 ملايين ليرة، عدا عن الرسوم الإضافية الأخرى..!

وبناء على قائمة التكاليف الجديدة، وصل الحد الأعلى لرسوم الساعات المعتمدة على التوالي: الطب البشري 206 آلاف ليرة، طب الأسنان 174 ألفا، الصيدلة 155 ألفا، إدارة المشافي 126 ألفا، التجميل والتغذية والعلاج الوظيفي والفيزيائي 58 ألفا، الهندسات المختلفة بين 44 – 85 ألفا، العلوم الإدارية والنظرية بين 50 – 68 ألف ليرة.

 

تكاليف وأرباح..

يشكو بعض القائمين على الجامعات الخاصة قلة العوائد الاستثمارية لمشاريعهم التعليمية، والناجمة عن انخفاض الأرباح، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما يهدد انسيابية واستمرار هذه المشاريع، سيما عندما يتعلق الأمر بصيانة وترميم المباني والقاعات والمخابر وغيرها، سواء الترميم الدوري أم الناتج عن التخريب وآثار الحرب؛ كما أدى استنزاف الكادر التعليمي والإداري، نتيجة الهجرة، في بعض الأحيان لصعوبة تعويض الفاقد التعليمي، لذا رفعت عدد الطلاب لكل محاضر من 20 إلى 35 طالبا، إضافة لتكاليف النقل وتأمين الكهرباء وغيرها..

 

الرساميل المستثمرة..

وصل عدد الجامعات الخاصة المفتتحة والمحدثة إلى 23، بالإضافة لكلية مفتتحة واحدة، ومحدث معهد تقاني للتمريض، وتتنوع الاختصاصات فيها بين الطبية (الطب البشري، طب الأسنان، الصيدلة)، والاختصاصات الهندسية (المعلوماتية، العمارة، المدنية، الميكانيكية والكهربائية، الطبية، البترولية والكيمائية)، بالإضافة لبقية الاختصاصات مثل.. العلوم الإدارية، الحقوق، الفنون، التصميم الغرافيكي، اللغة الانكليزية.

وتوظف في هذه الجامعات رساميل ضخمة، أمكن معها التوسع في إحداث الكليات والاختصاصات المختلفة، ما أدى لخلق آلاف فرص العمل، وعلى المستويات الأكاديمية والإدارية والفنية كافة. ويعتمد أغلب الجامعات الخاصة – وفقا للبابا – على الاستثمارات المحلية، مع نسبة قليلة من المستثمرين العرب في بعض الجامعات.

 

موثوقية الشهادات

يقول البابا إن الدرجات العلمية التي تمنحها المؤسسة التعليمية الخاصة تعد معادلة حكما للدرجات العلمية التي تمنحها الجامعات أو المعاهد الحكومية (المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2001، المادة 4 منه)، أما مدى الاعتراف بها إقليميا وعالميا فهو يختلف من دولة إلى أخرى، حسب المعايير المعتمدة فيها. ومع ذلك، فإن خريجي الجامعات السورية الخاصة يتابعون دراستهم العليا محليا وخارجيا، وتتوافر لهم فرص العمل هنا وهناك، مشيرا إلى أن هناك دراسات لإعداد خريطة تعليمية تحدد فيها المناطق التعليمية لإحداث جامعات خاصة فيها، كما تحدد الكليات المراد افتتاحها على مستوى البلاد.

 

إقليميا..

تواجه الجامعات الخاصة، في الوطن العربي، موجة ارتفاع قي أقساطها ورسومها، بالرغم من وباء كوفيد-19، وما نجم عنه من تحول جزئي للتعليم عبر الإنترنت، فيما يؤكد بعض المراقبين أن الزيادة في هذه الأقساط غير مبررة، وتأتي لأسباب تجارية بحتة، في وقت تعاني فيه الأسر في الدول العربية، خاصة في المشرق، من تراجع الدخول والقوى الشرائية..

وتسبب “فيروس كورونا” في انكماش معظم الاقتصادات العربية، حيث توقع صندوق النقد العربي انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بنسبة أربعة بالمئة، فيما أشار تقرير، صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا)، إلى أن المنطقة العربية تخسر، للعام الجاري، حوالى 1،7 مليون وظيفة، ما سيزيد أوضاع الأسر الفقيرة والمتوسطة سوءا، ويحد من فرص تعليم أبنائها، فيما يشكل التعليم الإلكتروني (عن بعد)، عبئا على هذه الأسر، التي لا تمتلك الإمكانات المادية اللازمة لتوفير أجهزة الحاسب الشخصي لأبنائها، فضلا عن الدخول إلى الإنترنت، في ظل ضعف وتخلف بنية الاتصالات في أغلب الدول العربية.